صفاقس بين الوعود المؤجلة والمشاريع المعطلة: متى تستعيد عاصمة الجنوب مكانتها التنموية؟
جدد اجتماع المجلس الجهوي المنعقد بولاية صفاقس تحت إشراف والي الجهة، والذي جمع مختلف مكونات المشهد المحلي من مجالس محلية وأعضاء المجلس الجهوي وممثلين عن المجتمع المدني وأعضاء مجلس نواب الشعب، التأكيد على مطلب أصبح يتكرر في كل المحطات التنموية بالجهة: ضرورة التسريع في إنجاز المشاريع المعطلة ووضع رؤية واضحة تضمن الانتقال من مرحلة التشخيص والوعود إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
ولم يكن هذا الاجتماع مجرد مناسبة إدارية دورية، بل مثل فرصة لتجديد النقاش حول واقع التنمية في واحدة من أهم الولايات التونسية اقتصادياً واجتماعياً، خاصة في ظل تواصل تعطل عدد من المشاريع الحيوية التي طال انتظارها، وتزايد الشعور لدى المواطنين بأن صفاقس لم تحظ بعد بالمكانة التنموية التي تتناسب مع وزنها الحقيقي داخل الاقتصاد الوطني.
جهة ذات ثقل اقتصادي تنتظر نصيبها من التنمية
تعتبر صفاقس القلب الاقتصادي للجنوب التونسي وأحد أهم الأقطاب الاقتصادية في البلاد. فقد لعبت لعقود دوراً محورياً في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات والفلاحة والصيد البحري، كما ساهمت بشكل كبير في دعم الاقتصاد الوطني من خلال نسيج اقتصادي متنوع وقدرة كبيرة على الاستثمار والإنتاج.
ورغم هذه المكانة، ما تزال الجهة تواجه تحديات تنموية عديدة، تتجلى أساساً في تأخر إنجاز مشاريع البنية التحتية وتطوير شبكات النقل وتحسين الخدمات الصحية ومعالجة الإشكاليات البيئية المتراكمة منذ سنوات. وهو ما خلق حالة من التناقض بين الدور الاقتصادي الذي تضطلع به صفاقس وبين واقعها التنموي الذي لا يعكس في كثير من الأحيان حجم مساهمتها في الاقتصاد الوطني.
مشاريع مؤجلة منذ سنوات
من أبرز النقاط التي طُرحت خلال الاجتماع الجهوي مسألة المشاريع المعطلة التي أصبحت تمثل أحد أهم الملفات العالقة بالجهة. فهناك مشاريع تمت برمجتها منذ سنوات طويلة، وبعضها يعود إلى عقود مضت، لكنها لم تر النور إلى اليوم بسبب تعقيدات إدارية أو إشكاليات عقارية أو صعوبات تمويلية أو غياب القرار الحاسم.
وقد أدى هذا التأخير إلى تعطيل فرص تنموية مهمة كان من الممكن أن تساهم في تحسين ظروف العيش وخلق مواطن الشغل وتعزيز جاذبية الجهة للاستثمار. كما ساهم في تنامي شعور عام بالإحباط لدى المواطنين الذين يتابعون باستمرار الإعلان عن مشاريع جديدة دون أن يلمسوا تقدماً فعلياً على أرض الواقع.
وتشمل هذه الإشكاليات العديد من الملفات المرتبطة بالبنية الأساسية والطرقات والنقل العمومي والمناطق الصناعية والمشاريع البيئية، وهي ملفات ترتبط بشكل مباشر بجودة الحياة اليومية للمواطن وبقدرة الجهة على استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وضع اقتصادي يلفه الغموض
تأتي هذه التحديات في سياق اقتصادي وطني معقد يتسم بحالة من التباطؤ الاقتصادي وعدم وضوح الرؤية بالنسبة للعديد من الفاعلين الاقتصاديين. وقد تأثرت صفاقس، مثل بقية الجهات التونسية، بالتداعيات التي عرفها الاقتصاد الوطني خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث تراجع نسق الاستثمار أو الصعوبات التي تواجهها المؤسسات الاقتصادية أو تراجع القدرة على إنجاز المشاريع الكبرى.
ويؤكد عدد من المتابعين للشأن الاقتصادي أن حالة الغموض التي يعيشها الاقتصاد الوطني انعكست بشكل مباشر على مناخ الأعمال بالجهة، حيث أصبحت العديد من المشاريع الاستثمارية في حالة انتظار بسبب غياب الرؤية الواضحة بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.
كما أن المؤسسات الاقتصادية المحلية تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بارتفاع التكاليف وصعوبة التمويل وتعقد الإجراءات الإدارية، وهو ما يحد من قدرتها على التوسع وخلق فرص عمل جديدة.
مسؤولية تتجاوز المستوى الجهوي
ورغم الانتقادات المتكررة الموجهة إلى مختلف الهياكل الإدارية، فإن العديد من المتدخلين يؤكدون أن تحميل المسؤولين الجهويين وحدهم مسؤولية تعطل المشاريع لا يعكس حقيقة الوضع القائم. فمعظم المشاريع الكبرى تخضع لقرارات مركزية وتحتاج إلى اعتمادات مالية وطنية وإلى تنسيق بين عدة وزارات ومؤسسات عمومية.
وتبقى صلاحيات المسؤولين الجهويين محدودة في العديد من الملفات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تتطلب قرارات سياسية وتمويلات ضخمة تتجاوز الإمكانيات المتاحة على المستوى المحلي.
لذلك فإن معالجة حالة التعطل التي تعرفها بعض المشاريع تستوجب انخراطاً فعلياً من مختلف أجهزة الدولة، وتوفير آليات ناجعة للمتابعة والتقييم، بما يضمن تجاوز العراقيل الإدارية وتسريع نسق الإنجاز.
الحاجة إلى رزنامة واضحة للإنجاز
أجمع المشاركون في الاجتماع الجهوي على أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من تشخيص الإشكاليات إلى تحديد آجال واضحة لإنجاز المشاريع. فالمواطن لم يعد يبحث عن مزيد من الدراسات أو الوعود، بل ينتظر رؤية تقدم ملموس على أرض الواقع.
ومن هذا المنطلق، برزت الدعوات إلى إعداد رزنامة دقيقة للمشاريع المعطلة تتضمن مراحل التنفيذ والجهات المسؤولة عن الإنجاز وآليات المتابعة الدورية، بما يسمح بتقييم التقدم المحرز ومحاسبة الجهات المقصرة عند الضرورة.
كما أن تعزيز الشفافية في التعامل مع الملفات التنموية أصبح مطلباً أساسياً، خاصة فيما يتعلق بتوضيح أسباب التعطيل وإعلام الرأي العام بمختلف التطورات المرتبطة بالمشاريع الكبرى.
صفاقس تستحق أكثر
لا يختلف اثنان حول أن صفاقس تمتلك من الإمكانيات البشرية والاقتصادية ما يؤهلها لتكون قاطرة حقيقية للتنمية في تونس. فهي جهة تزخر بالكفاءات والطاقات الاستثمارية والموقع الاستراتيجي والبنية الاقتصادية المتنوعة.
غير أن تحويل هذه الإمكانيات إلى نتائج ملموسة يظل رهين توفر إرادة فعلية تضع التنمية في صدارة الأولويات، وتترجم الخطط والبرامج إلى مشاريع حقيقية يستفيد منها المواطن بشكل مباشر.
لقد حمل اجتماع المجلس الجهوي رسالة واضحة مفادها أن الوقت قد حان لتجاوز مرحلة الانتظار، وأن صفاقس تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى قرارات جريئة وإجراءات عملية تعيد الثقة للمواطن وتمنح الجهة المكانة التي تستحقها ضمن المشهد التنموي الوطني. فالتنمية ليست مجرد شعارات أو برامج معلنة، بل هي مشاريع تنجز على أرض الواقع وتنعكس آثارها على حياة الناس ومستقبل الأجيال القادمة.
CARTHAGE 24 NEWS Carthage 24 News – Portail de Presse