نبش قبور الأموات رسالة تهديد للاحياء
ليست كل الجرائم تُقاس بحجم الخسائر المادية، فهناك جرائم تستهدف الذاكرة قبل الحجر، والرمز قبل الإنسان، وتحاول أن تهدم ما عجزت عن هدمه في حياة أصحابه. وعندما تمتد الأيدي لتخريب قبور شهداء الوطن ورموزه، فإن الأمر لا يتعلق بعمل تخريبي عابر أو سلوك فردي معزول، بل بفعل يمس وجدان المجتمع ويستهدف أحد أكثر الأماكن قداسة في الذاكرة الوطنية. في الأسابيع الأخيرة عاشت تونس على وقع حرائق الغابات، وانقطاعات الكهرباء، وحالة من القلق والإجهاد العام. وفي مثل هذه الأجواء المضطربة، وقعت جريمة الاعتداء على عدد من الأضرحة بروضة الشهداء في مقبرة الجلاز، وهو اعتداء أثار استياءً واسعًا لما يحمله من رمزية تتجاوز تخريب الأحجار إلى المساس بتاريخ النضال الوطني. إن الاعتداء على قبور شخصيات وطنية مثل الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، إضافة إلى شخصيات أخرى ارتبطت بتاريخ الحركة الوطنية والسياسية،مثل الباهي الادغم واحمد التليلي والطيب المهيري يمثل اعتداءً على ذاكرة جماعية لا تخص عائلاتهم وحدها، بل تخص كل التونسيين بمختلف توجهاتهم. فالاختلاف السياسي ينتهي عند حدود الموت، وتبقى حرمة المقابر واحترام الموتى من القيم الإنسانية والدينية التي لا يجوز المساس بها. نبش القبور يعكس حالة من الكراهية التي لا تتوقف حتى بعد وفاة أصحابها، ويكشف عن محاولة لمحو الرموز من الذاكرة العامة. فالرموز لا تعيش في الأضرحة، وإنما في ما تركته من أثر في التاريخ، وفي ما تمثله من صفحات من مسيرة البلاد، سواء اتفق الناس معها أو اختلفوا حولها. ولذلك فإن استهداف القبور لا يغير من التاريخ، لكنه يكشف عن أزمة قيم لدى من يقدم على مثل هذه الأفعال. وفي الوقت نفسه، ينبغي التعامل مع مثل هذه الوقائع بمنتهى الجدية من قبل السلطات المختصة. لان بعض الأفعال تعتبر إنذارًا مبكرًا ومؤشرًا على تهديدات أكثر تعقيدًا، وهو ما يقتضي التعامل معها بمنهج استشرافي لا يقتصر على معالجة الفعل في حد ذاته، بل يجب تحليل دلالاته وسياقاته واستقراء الرسائل المحتملة التي ينطوي عليها، بما يمكن من تعزيز القدرة على الاستباق ودرء المخاطر وتحصين المصلحة الوطنية العليا للوطن.
فمن واجب الدولة حماية المقابر والمعالم الوطنية، وكشف المسؤولين عن هذه الاعتداءات وتقديمهم إلى العدالة، لأن الإفلات من العقاب قد يشجع على تكرار مثل هذه الجرائم ويزيد من الشعور بعدم الأمان. كما أن المجتمع المدني، والأحزاب، والمنظمات الوطنية، والمواطنين جميعًا، مطالبون بإدانة أي اعتداء على حرمة الموتى، بصرف النظر عن الانتماءات الفكرية أو السياسية للضحايا. فاحترام القبور ليس موقفًا سياسيًا، بل قيمة حضارية وأخلاقية تؤكد احترام الإنسان بعد وفاته كما في حياته. من الضروري أن تتعامل الأجهزة الأمنية والقضائية مع الواقعة بالسرعة والجدية اللازمتين لكشف الحقيقة كاملة. لان التنظيمات الإرهابية خلال العشرية السوداء سبق لها القيام بهذه الأفعال وإمكانية عودتها واردة
قال السياسي التونسي الراحل شكري بلعيد: “سيلجؤون إلى العنف كلما زاد اختناقهم، وكلما زادت عزلتهم السياسية، وكلما تقلصت شعبيتهم.” وهي عبارة أصبحت من أكثر أقواله تداولًا في النقاش السياسي التونسي، لأنها تعبر عن رؤية تعتبر أن بعض الفاعلين السياسيين قد يلجؤون إلى التصعيد عندما يشعرون بتراجع نفوذهم أو بانسداد أفقهم السياسي.
فالأنظمة الديمقراطية المستقرة تقوم على الاحتكام إلى القانون، واحترام المؤسسات، وقبول الاختلاف، ونبذ كل أشكال العنف السياسي مهما كانت مبررا
إن حماية الذاكرة الوطنية لا تكون فقط بإقامة النصب التذكارية، بل أيضًا بصيانة الأماكن التي تحتضن رموزها، وترسيخ ثقافة احترام الموتى، وتعزيز سياد القانون. فالمجتمعات التي تحترم تاريخها هي الأقدر على بناء مستقبلها، أما الاعتداء على المقابر فلن يمحو أسماء أصحابها من ذاكرة الوطن، بل سيبقى شاهدًا على خطورة المساس بالقيم التي تجمع التونسيين. قد يستطيع أحدهم أن يكسر شاهد قبر، لكنه لن يستطيع أن يكسر ذاكرة شعب، وقد يعتدي على ضريح، لكنه لن يغير مكانة من أصبح جزءًا من تاريخ البلاد. أما مسؤولية الدولة والمجتمع اليوم فهي حماية هذه الذاكرة، وكشف الحقيقة، وتطبيق القانون على كل من يعتدي على حرمة الموتى، حفاظًا على السلم المجتمعي وعلى القيم التي يقوم عليها الوطن
بقلم …بلقاسم الخماري
CARTHAGE 24 NEWS Carthage 24 News – Portail de Presse