الرئيسية / متابعات / التواصل مع المواطنين… مسؤولية دولة لا ترف مسؤول

التواصل مع المواطنين… مسؤولية دولة لا ترف مسؤول

التواصل مع المواطنين… مسؤولية دولة لا ترف مسؤول

يُعدّ التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين أحد أهم ركائز الحوكمة الرشيدة، فهو ليس مجرد نشاط إعلامي أو بروتوكولي، بل هو جزء أساسي من العمل الحكومي والإدارة العمومية. فالمواطن من حقه أن يكون على اطلاع دائم بما تقوم به مؤسسات الدولة من مشاريع وبرامج وإصلاحات، وبالتحديات التي تواجهها، وبالحلول التي تعمل على تنفيذها.

عندما تتواصل الدولة بانتظام مع شعبها، فإنها تعزز الثقة، وتوضح الحقائق، وتفسر القرارات، وتمنع انتشار الأخبار الزائفة والإشاعات التي تجد بيئة خصبة في غياب المعلومة الرسمية. فكلما تأخر المسؤول في تقديم المعلومة، ازدادت مساحة التأويل، وبرزت أطراف تدّعي امتلاك الحقيقة، بينما يكون هدف بعضها تحقيق مصالح شخصية أو تلميع صورتها، لا نقل الوقائع كما هي.

إن غياب التواصل لا يترك فراغاً، بل يملؤه الآخرون. وفي كثير من الأحيان تصبح مواقع التواصل الاجتماعي المصدر الوحيد للأخبار، فتنتشر معلومات غير دقيقة، وتتضارب الروايات، ويجد المواطن نفسه عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والإشاعة. لذلك فإن المعلومة الرسمية، الواضحة والسريعة، هي السلاح الأول في مواجهة التضليل.

ولا يقتصر دور التواصل على نقل الأخبار، بل يشمل أيضاً شرح السياسات العمومية، وتفسير أسباب القرارات، والإجابة عن تساؤلات المواطنين، والاستماع إلى انشغالاتهم. فالحكومة التي تتواصل مع شعبها بصدق وشفافية تبني جسور الثقة، حتى في أصعب الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية، لأن المواطن يتقبل التضحيات عندما يفهم أسبابها ويطمئن إلى وجود رؤية واضحة للمستقبل.

في المقابل، فإن بعض المسؤولين ما زالوا يعتبرون التواصل مع المواطنين ترفاً أو عملاً ثانوياً يمكن الاستغناء عنه، وهو تصور خاطئ أثبتت التجارب فشله. فالصمت الإداري وغياب المعلومة الرسمية يفتحان الباب أمام الإشاعات، ويغذيان الإحباط، ويزيدان من فقدان الثقة في مؤسسات الدولة، وهو ما قد يتحول إلى توترات اجتماعية كان بالإمكان تجنبها عبر تواصل فعال ومسؤول.

إن نجاح أي سياسة عمومية لا يقاس فقط بحسن تنفيذها، بل أيضاً بقدرة الدولة على شرحها وإقناع المواطنين بها. فالتواصل الحكومي لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة تفرضها سرعة تداول المعلومات وتنامي دور وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.

إن الدولة الحديثة هي التي تجعل المواطن شريكاً في المعرفة، لا مجرد متلقٍ للقرارات. ولذلك فإن تطوير منظومة الاتصال الحكومي، وتكليف مسؤولين مؤهلين للتواصل مع الرأي العام، وتنظيم لقاءات وندوات صحفية دورية، ونشر البيانات والإحصائيات بانتظام، كلها خطوات ضرورية لتعزيز الشفافية وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.

وفي النهاية، يبقى التواصل الفعال أحد أهم أدوات الاستقرار. فالدولة التي تتحدث إلى شعبها بوضوح وصدق، وتحترم حقه في المعلومة، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر نجاحاً في تنفيذ برامجها، وأكثر قرباً من مواطنيها. أما الصمت، فإنه لا يحل المشكلات، بل يمنح الإشاعة فرصة لتصبح بديلاً عن الحقيقة.

 

بقلم….بلقاسم الخماري