الدولة هي الجهة التي تحدد الرؤية الوطنية للطاقة
الدولة ترسم السياسات العمومية ، بينما تتولى المؤسسات العمومية تنفيذها. ويُعدّ هذا المبدأ من أبجديات الحوكمة الرشيدة، لأنه يحدد المسؤوليات ويمنع الخلط بين من يتخذ القرار ومن يقوم بتطبيقه. وفي قطاع الطاقة، الذي يمثل أحد أهم القطاعات الاستراتيجية في أي دولة، يصبح هذا التمييز أكثر أهمية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والبيئية والتكنولوجية التي تشهدها تونس.
فالدولة هي الجهة التي تحدد الرؤية الوطنية للطاقة، وتضع الاستراتيجيات بعيدة المدى، وتقرر مزيج الطاقة الذي ستعتمد عليه البلاد، سواء من المصادر التقليدية أو الطاقات المتجددة، كما تضبط برامج الاستثمار، وتحدد الأولويات الوطنية، وتسعى إلى تحقيق الأمن الطاقي وضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة. وهذه المهام لا تدخل ضمن صلاحيات المؤسسات المنفذة، بل تندرج ضمن مسؤوليات السلطة التنفيذية والهياكل الحكومية المختصة في التخطيط ورسم السياسات العمومية.
في المقابل، تتولى الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) تنفيذ الخيارات التي تعتمدها الدولة، من خلال إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، وتوفير الغاز الطبيعي، وصيانة الشبكات، وضمان استمرارية المرفق العام، وتأمين التزويد بالطاقة للمواطنين والمؤسسات الاقتصادية. وبالتالي فإن دورها الأساسي هو التنفيذ والتسيير في إطار الأهداف والسياسات التي تحددها السلطات العمومية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تقييم موضوعي لأداء قطاع الطاقة يجب أن ينطلق من التمييز بين مسؤولية رسم السياسات ومسؤولية تنفيذها. فإذا كانت الدولة قد وضعت استراتيجية واضحة، ورصدت الاستثمارات اللازمة، ووفرت الإطار القانوني والمالي المناسب، فإن المؤسسة المنفذة تُقيَّم على أساس قدرتها على تحقيق تلك الأهداف بكفاءة وجودة. أما إذا غابت الرؤية أو تأخر اتخاذ القرارات أو لم تُحدد الأولويات الوطنية، فإن الإشكال يصبح مرتبطاً أساساً بالسياسات العامة أكثر من ارتباطه بعملية التنفيذ.
ويرى عدد من المتابعين للشأن العام أن قطاع الطاقة في تونس عرف منذ سنة 2011 صعوبات في بلورة رؤية استراتيجية طويلة المدى، ويعزون ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها عدم استقرار الحكومات، والتغييرات المتكررة في المسؤولين، وما يعتبرونه تراجعاً في الاستفادة من الخبرات والكفاءات الوطنية في مواقع التخطيط واتخاذ القرار. وفي المقابل، يرى آخرون أن أسباب الوضع أكثر تعقيداً، وتشمل أيضاً الضغوط المالية، وتراجع الاستثمار، والظروف الاقتصادية المحلية والدولية. لذلك تبقى هذه المسألة محل نقاش وتقييم بين مختلف الفاعلين والخبراء.
وفي جميع الأحوال، فإن التحديات الحالية تفرض على الدولة مراجعة سياستها الطاقية بما يتلاءم مع المتغيرات العالمية. فقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في مجالات الطاقات المتجددة، وتخزين الكهرباء، والشبكات الذكية، وتحسين النجاعة الطاقية، وأصبحت العديد من الدول تعتمد خططاً متكاملة لتنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري.
كما أن تونس تمتلك بدورها كفاءات وطنية وشركات خاصة تنشط في مجالات إنتاج الكهرباء، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والحلول التكنولوجية المرتبطة بالنجاعة الطاقية. ويمكن لهذه المؤسسات أن تمثل رافداً مهماً للمنظومة الوطنية إذا تم توفير إطار قانوني وتنظيمي واضح يشجع الاستثمار ويعزز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يخدم المصلحة الوطنية ويحافظ على دور الدولة في التخطيط والتنظيم.
إن بناء سياسة طاقية ناجحة لا يقتصر على زيادة الإنتاج فقط، بل يقوم على رؤية شاملة تشمل تنويع مصادر الطاقة، وتشجيع الاستثمار، ودعم البحث العلمي، وتطوير التكنولوجيا، وتحسين كفاءة الاستهلاك، وتعزيز أمن التزود بالطاقة. كما يتطلب تنسيقاً مستمراً بين مختلف الوزارات والمؤسسات والهياكل المعنية، حتى تصبح كل جهة واعية بدورها ومسؤولياتها.
ومن هنا، فإن النقاش حول مستقبل قطاع الطاقة يجب أن يركز على جوهر الإشكال، وهو مدى وجود استراتيجية وطنية واضحة وقابلة للتنفيذ، ومدى قدرتها على استثمار الإمكانيات الوطنية ومواكبة التحولات العالمية. أما المؤسسة المنفذة، فإن نجاحها يبقى مرتبطاً إلى حد كبير بوضوح السياسات التي تعمل في إطارها، وبالوسائل والإمكانات التي تضعها الدولة على ذمتها.
إن الفصل بين رسم السياسات وتنفيذها ليس مجرد تمييز إداري، بل هو أساس للحوكمة والمساءلة. فحين تكون الأدوار واضحة، يصبح تقييم الأداء أكثر موضوعية، وتتحدد المسؤوليات بدقة، ويُفتح المجال أمام إصلاحات حقيقية تستند إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى، قادرة على ضمان أمن تونس الطاقي، وتحقيق التنمية الاقتصادية، والاستفادة من التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم في مجال إنتاج الطاقة واستغلالها
CARTHAGE 24 NEWS Carthage 24 News – Portail de Presse