صفاقس… عاصمة الصيد البحري في تونس بين ثراء البحر وتحديات الاستدام
لم يكن البحر بالنسبة إلى صفاقس مجرد امتداد جغرافي يحد المدينة من الشرق، بل كان على امتداد قرون مصدر حياة ورزق وهوية وثقافة. فمنذ أن أبحر الصفاقسية الأوائل في مياه خليج قابس وجزر قرقنة، تشكلت علاقة خاصة بين الإنسان والبحر، علاقة صنعت اقتصاداً متكاملاً، وأسهمت في نشأة صناعات بحرية عريقة، وأوجدت آلاف مواطن الشغل، وجعلت من ولاية صفاقس أحد أهم الأقطاب البحرية في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
واليوم، لا يزال قطاع الصيد البحري يمثل إحدى الدعائم الأساسية للاقتصاد الجهوي والوطني، حيث تحتل ولاية صفاقس مكانة ريادية في هذا المجال، إذ تساهم بحوالي سدس الإنتاج الوطني من الأسماك، كما تستقطب ما يقارب ثلاثين بالمائة من مجموع البحارة العاملين في تونس، وهو ما يعكس الوزن الاقتصادي والاجتماعي الكبير لهذا القطاع الذي يوفر مورد رزق مباشر لما يقارب ستة عشر ألف بحار، فضلاً عن عشرات الآلاف من مواطن الشغل غير المباشرة المرتبطة بصناعة السفن، وصيانة المحركات، وصناعة الشباك، وصناعة الثلج، والنقل البحري، والتبريد، وتحويل المنتجات البحرية، والتجارة الداخلية والتصدير.
ولا يمكن الحديث عن الاقتصاد البحري في صفاقس دون التوقف عند البنية التحتية التي تمتلكها الولاية، والتي تعد من بين الأهم على المستوى الوطني. فالجهة تضم عشرة موانئ مرخص لها لممارسة أنشطة الصيد البحري وتجارة الأسماك بالجملة والتفصيل، موزعة على كامل الشريط الساحلي والجزر، بما يسمح باستغلال مختلف مناطق الصيد البحرية.
ويعد ميناء الصيد البحري بصفاقس القلب النابض لهذا النشاط، فهو أكبر موانئ الجهة وأكثرها حركية، ويستقبل مراكب صيد الأعماق والسفن التجارية، كما يضم فضاءات لتفريغ المنتوجات البحرية وتسويقها، ومخازن للتبريد، وورشات لصيانة السفن، إضافة إلى مختلف الخدمات اللوجستية الضرورية لدعم القطاع.
أما جزر قرقنة، التي ارتبط اسمها منذ آلاف السنين بالبحر، فتضم ثلاثة موانئ رئيسية هي مليتة، والعطايا، والقراطن، وتمثل هذه الموانئ مركزاً أساسياً للصيد الساحلي التقليدي، وتعد نقطة انطلاق لآلاف البحارة الذين يمارسون مهنتهم وفق تقاليد توارثتها الأجيال.
كما تنتشر على طول الساحل بقية الموانئ التي تساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية البحرية، ومنها موانئ المحرس، والصخيرة، واللوزة، والعوابد، وسيدي منصور، وزبوسة، وهي موانئ تؤدي دوراً مهماً في دعم الصيد التقليدي وتنمية المناطق الساحلية وربطها بالاقتصاد البحري.
ويتميز قطاع الصيد البحري بصفاقس بتنوع كبير في أساليب الإنتاج، إذ يضم أسطولاً متنوعاً من المراكب التي تمارس الصيد بالجر، وصيد السمك الأزرق، وصيد التن الأحمر، إضافة إلى الصيد الساحلي التقليدي الذي لا يزال يمثل جزءاً مهماً من التراث البحري التونسي.
هذا التنوع في وسائل الصيد سمح باستغلال مختلف الثروات البحرية التي يزخر بها خليج قابس، والذي يعد أحد أغنى الأحواض البحرية في البحر الأبيض المتوسط من حيث التنوع البيولوجي والإنتاجية الطبيعية، رغم ما يواجهه في السنوات الأخيرة من ضغوط بيئية متزايدة.
وتقدر الكميات المنتجة من الأسماك في ولاية صفاقس بحوالي واحد وعشرين ألف طن سنوياً، وهي كمية تجعل الولاية في صدارة الإنتاج الوطني، كما تمثل مورداً مالياً مهماً يدعم الدورة الاقتصادية، سواء عبر التسويق الداخلي أو التصدير نحو الأسواق الخارجية، خاصة بالنسبة لبعض الأصناف ذات القيمة التجارية المرتفعة.
وتتميز السواحل الصفاقسية بتنوع كبير في الثروة السمكية. فالمياه الرملية والصخرية توفر بيئة ملائمة لعشرات الأنواع من الأسماك والرخويات والقشريات، ويعتبر الحبار أو ما يعرف محلياً بـ”الشوابي” من أشهر المنتجات البحرية التي تشتهر بها المنطقة، إلى جانب الأخطبوط، والجمبري، والوراطة، والدنيس، والقاروص، والبوري، والسردينة، والغزال، والعديد من الأنواع الأخرى التي تشكل جزءاً أساسياً من النشاط الاقتصادي البحري.
كما تحولت بعض المواقع الساحلية، وخاصة كورنيش صفاقس، إلى فضاءات يقصدها هواة الصيد الرياضي والترفيهي، حيث يمارس العديد من المواطنين هوايتهم في صيد الأسماك، مما يضفي بعداً اجتماعياً وسياحياً إضافياً للبحر.
ولا يقتصر النشاط البحري في صفاقس على استخراج الأسماك فقط، بل يمتد إلى منظومة اقتصادية متكاملة تشمل بناء مراكب الصيد وصيانتها، وهي حرفة تشتهر بها صفاقس منذ قرون، حتى أصبحت المدينة إحدى أهم مراكز صناعة السفن الخشبية والمعدنية في تونس، إضافة إلى ورشات تصنيع الشباك والمعدات البحرية، ومصانع الثلج، ووحدات التبريد، ومؤسسات تحويل وتعليب المنتوجات البحرية، وأسواق الجملة والتفصيل.
ويمثل قطاع الصيد البحري أيضاً دعامة أساسية للأمن الغذائي، حيث يساهم في توفير كميات كبيرة من البروتينات ذات الجودة العالية للمستهلك التونسي، كما يدعم صادرات البلاد من المنتجات البحرية التي أصبحت تحظى بطلب متزايد في الأسواق الأوروبية والآسيوية.
غير أن هذا القطاع الحيوي يواجه اليوم جملة من التحديات التي تستوجب رؤية تنموية متكاملة توازن بين متطلبات الإنتاج وضرورة المحافظة على الموارد الطبيعية.
ومن أبرز هذه التحديات تراجع بعض المخزونات السمكية نتيجة الاستغلال المكثف، والتغيرات المناخية، وارتفاع درجات حرارة المياه، وتلوث بعض المناطق الساحلية، إضافة إلى الصيد العشوائي واستعمال معدات غير مطابقة للمواصفات، وهو ما قد يؤثر على التوازن البيئي البحري على المدى البعيد.
ومن أجل المحافظة على الثروة السمكية، تعتمد السلطات المختصة سنوياً نظام “الراحة البيولوجية”، وهو إجراء علمي يهدف إلى إيقاف بعض أنشطة الصيد خلال فترات محددة، خاصة صيد الجر في خليج قابس، وذلك لإتاحة الفرصة للأسماك والكائنات البحرية للتكاثر والنمو وإعادة تكوين المخزون الطبيعي.
وقد أثبتت التجارب العالمية أن الراحة البيولوجية تعد من أنجع الوسائل لحماية الثروات البحرية وضمان استدامتها، لأنها تمنح البيئة البحرية فرصة لاستعادة توازنها الطبيعي، وتنعكس نتائجها إيجابياً على الإنتاج في المواسم اللاحقة.
ورغم أهمية هذا الإجراء، فإن تطبيقه يطرح في كل موسم بعض الإشكاليات الاجتماعية والمهنية، خاصة بالنسبة للبحارة الذين تتوقف مداخيلهم خلال فترة الراحة البيولوجية، وكذلك بالنسبة لعمال إصلاح الشباك والحرفيين المرتبطين بالنشاط البحري، مما يجعل من الضروري تطوير آليات الدعم والمرافقة الاجتماعية لهذه الفئات حتى لا تتحمل وحدها كلفة حماية الثروة البحرية.
كما يطالب المهنيون بمزيد تحسين النصوص المنظمة للراحة البيولوجية، وإشراكهم في صياغة القرارات المتعلقة بالقطاع، حتى تكون الإجراءات أكثر واقعية وتراعي خصوصيات كل منطقة وكل نوع من أنواع الصيد.
ومن جهة أخرى، أصبح من الضروري تعزيز البحث العلمي في مجال علوم البحار، وتطوير برامج مراقبة المخزون السمكي، واستعمال التكنولوجيا الحديثة في متابعة حركة الأساطيل البحرية، وتشجيع الصيد المسؤول، مع تكثيف حملات مقاومة الصيد غير القانوني الذي يمثل أحد أخطر التهديدات للثروة السمكية.
وتملك ولاية صفاقس كل المقومات لتطوير اقتصاد بحري أكثر تنوعاً، لا يقتصر على الصيد التقليدي فقط، وإنما يشمل أيضاً تربية الأحياء المائية، والصناعات التحويلية البحرية، والسياحة البحرية، والرياضات المائية، والنقل البحري، والخدمات اللوجستية، بما يساهم في خلق فرص عمل جديدة ورفع القيمة المضافة للمنتجات البحرية.
كما يمكن للجهة أن تستفيد من موقعها الاستراتيجي ومن خبرتها التاريخية في الملاحة والصناعات البحرية لإنشاء قطب اقتصادي متخصص في الاقتصاد الأزرق، يجمع بين الاستثمار والبحث العلمي والابتكار، ويحول البحر إلى محرك رئيسي للتنمية المستدامة.
إن صفاقس لم تكن يوماً مدينة بحرية بالصدفة، بل بنت مجدها الاقتصادي على العمل والإنتاج والانفتاح على البحر. واليوم، ومع التحديات البيئية والاقتصادية الجديدة، أصبح الحفاظ على الثروة السمكية مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمهنيون والباحثون والمجتمع المدني، لأن مستقبل آلاف العائلات مرتبط مباشرة باستدامة هذا المورد الطبيعي.
فالرهان الحقيقي لم يعد يتمثل فقط في زيادة كميات الصيد، بل في ضمان استمرارية البحر كمنبع للحياة والثروة للأجيال القادمة، وهو ما يجعل من الاستثمار في حماية البيئة البحرية، وتحديث الموانئ، وتطوير الأساطيل، وتشجيع الصيد المسؤول، خياراً استراتيجياً يضمن لصفاقس المحافظة على مكانتها التاريخية كعاصمة الصيد البحري في تونس، وركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الأزرق الوطني.
CARTHAGE 24 NEWS Carthage 24 News – Portail de Presse