الرئيسية / إقتصاد / مشروع إزالة الفوسفوجيبس بصفاقس: من عبء بيئي مزمن إلى فرصة تنموية واعدة

مشروع إزالة الفوسفوجيبس بصفاقس: من عبء بيئي مزمن إلى فرصة تنموية واعدة

 

مشروع إزالة الفوسفوجيبس بصفاقس: من عبء بيئي مزمن إلى فرصة تنموية واعدة

تمثل قضية الفوسفوجيبس بولاية صفاقس واحدة من أبرز الملفات البيئية التي شغلت الرأي العام التونسي على امتداد عقود طويلة، نظراً لما خلفته الأنشطة الصناعية المرتبطة بتحويل الفوسفات من تراكمات ضخمة لهذه المادة على طول الشريط الساحلي الجنوبي للمدينة. وقد أصبحت هذه التراكمات رمزاً لأحد أكبر التحديات البيئية التي واجهتها صفاقس، لما تسببت فيه من آثار سلبية على البيئة البحرية والساحلية وعلى جودة الحياة بالمناطق المجاورة، فضلاً عن تأثيرها على جمالية المدينة وفرص استغلال واجهتها البحرية في الأنشطة الاقتصادية والسياحية والترفيهية.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع إزالة الفوسفوجيبس باعتباره أحد أهم المشاريع البيئية المنتظرة بالجهة، حيث يهدف إلى معالجة إرث بيئي ثقيل تراكم عبر سنوات طويلة نتيجة النشاط الصناعي المكثف. ويشمل المشروع رفع كميات هامة من الفوسفوجيبس المكدسة أو المطمورة بالمناطق الساحلية، واعتماد حلول فنية وبيئية تضمن التصرف الآمن فيها وفق المعايير الوطنية والدولية المعتمدة في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة.

وتكتسي هذه العملية أهمية استثنائية بالنظر إلى انعكاساتها الإيجابية المنتظرة على المحيط البيئي والعمراني للمدينة. فإزالة هذه التراكمات من شأنها أن تساهم في الحد من مصادر التلوث القائمة، وتحسين جودة المياه البحرية، وحماية المنظومة الإيكولوجية الساحلية التي عانت طويلاً من الضغوط البيئية المرتبطة بالنشاط الصناعي. كما ستسمح باسترجاع مساحات شاطئية ظلت لعقود طويلة خارج دائرة الاستغلال، وفتح المجال أمام مشاريع تنموية جديدة تستجيب لتطلعات السكان في بيئة سليمة ومحيط عمراني أكثر جاذبية.

غير أن ملف الفوسفوجيبس لا يقتصر فقط على مسألة الإزالة والتخلص من المخزون المتراكم، بل يطرح في الوقت ذاته تساؤلات مهمة حول كيفية تحويل هذا التحدي البيئي إلى فرصة اقتصادية حقيقية. وفي هذا الإطار، برزت خلال السنوات الأخيرة توجهات عالمية جديدة تقوم على مبادئ الاقتصاد الدائري، الذي يسعى إلى تثمين النفايات الصناعية وتحويلها إلى موارد اقتصادية ذات قيمة مضافة بدل الاكتفاء بالتخلص منها.

ومن بين المقترحات التي تستحق الدراسة العلمية والفنية الجدية، فكرة إحداث مصنع مختص في إنتاج حجارة الأرصفة والبردورات والكتل الخرسانية المعروفة بـ”البلوكون”، اعتماداً على إدماج نسب مدروسة من الفوسفوجيبس المعالج ضمن تركيبة مواد البناء. ويقوم هذا التصور على استغلال المادة بعد إخضاعها لسلسلة من المعالجات والاختبارات المخبرية الدقيقة التي تضمن سلامتها واستجابتها للمعايير البيئية والفنية المطلوبة.

وتُعد حجارة الأرصفة والبردورات من المواد الأساسية المستعملة في مشاريع التهيئة الحضرية التي تنجزها البلديات والمؤسسات العمومية، حيث تدخل في تهيئة الشوارع والأرصفة والساحات العامة والحدائق والمساحات الخضراء. كما تُستعمل الكتل الخرسانية على نطاق واسع في بناء الأسوار والمنشآت المختلفة التابعة للمؤسسات التعليمية والإدارية والرياضية، إضافة إلى المشاريع الخاصة والعامة بمختلف أنواعها.

ويرى العديد من المختصين أن توظيف الفوسفوجيبس في هذا المجال يمكن أن يساهم تدريجياً في تقليص الكميات المتراكمة بالمواقع الملوثة، خاصة إذا ما تم ربط الإنتاج ببرامج البنية التحتية الكبرى ومشاريع التهيئة العمرانية التي تنجزها الدولة والجماعات المحلية. وبهذا الشكل، تتحول مادة كانت تمثل عبئاً بيئياً واقتصادياً إلى عنصر فاعل ضمن دورة إنتاج جديدة تخلق قيمة مضافة وتوفر فرصاً للتنمية.

ومن الناحية التقنية، تتكون حجارة الأرصفة التقليدية من الإسمنت والرمل والحصى والماء وبعض الإضافات الكيميائية التي تمنحها الخصائص الميكانيكية المطلوبة. غير أن التطورات الحديثة في مجال مواد البناء سمحت بإدماج عدد من المخلفات الصناعية المعالجة ضمن هذه التركيبة، مثل الركام المعاد تدويره والرماد المتطاير والفوسفوجيبس، وذلك وفق نسب محددة تخضع لاختبارات صارمة لضمان الجودة والمتانة والسلامة.

وتتم عملية تصنيع هذه المنتجات عادة بواسطة تقنيات الكبس والاهتزاز داخل قوالب صناعية خاصة، وهو ما يضمن الحصول على منتجات ذات مقاومة عالية للعوامل المناخية والضغط والاستعمال المكثف. إلا أن نجاح تجربة إدماج الفوسفوجيبس يبقى رهين إجراء دراسات علمية دقيقة تشمل الاختبارات الفيزيائية والكيميائية والبيئية، إضافة إلى تقييم مدى استقرار المادة على المدى الطويل ومدى تأثيرها المحتمل على صحة الإنسان والبيئة.

ولا تتوقف أهمية المشروع عند حدوده البيئية فقط، بل تمتد إلى أبعاده الاقتصادية والاجتماعية. فإحداث وحدة صناعية متخصصة في تثمين الفوسفوجيبس يمكن أن يوفر مواطن شغل مباشرة في مجالات الإنتاج والتسيير والصيانة والمراقبة الفنية، فضلاً عن فرص العمل غير المباشرة المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية والتسويق. كما يمكن أن يشجع على استقطاب استثمارات جديدة في قطاع الصناعات الخضراء الذي يشهد نمواً متسارعاً على المستوى العالمي.

ومن شأن هذا التوجه أن يعزز مكانة صفاقس كقطب اقتصادي وصناعي رائد قادر على تحويل الإشكاليات البيئية إلى مشاريع تنموية مبتكرة. فقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الاستثمار في إعادة تدوير المخلفات الصناعية وتثمينها يمكن أن يحقق نتائج اقتصادية وبيئية مهمة في آن واحد، من خلال تقليص كميات النفايات والحد من استنزاف الموارد الطبيعية وخلق أنشطة اقتصادية جديدة ذات مردودية مرتفعة.

كما يمكن للدولة التونسية أن تضع برنامجاً وطنياً متكاملاً لتثمين الفوسفوجيبس بالشراكة بين المجمع الكيميائي التونسي والجامعات ومراكز البحث العلمي ومكاتب الدراسات المختصة، بهدف تطوير حلول صناعية قابلة للتطبيق على أرض الواقع. ويقتضي ذلك توفير الإطار التشريعي والفني الملائم الذي يضمن احترام المعايير البيئية والصحية ويشجع المستثمرين على الانخراط في هذا المسار الجديد.

وتتجاوز إمكانيات استعمال هذه المنتجات حدود التهيئة الحضرية التقليدية، إذ يمكن أن تشمل مشاريع البنية التحتية بالمناطق الصحراوية التي تعاني من ظاهرة زحف الرمال. ففي العديد من الدول، يتم استعمال البردورات والعناصر الخرسانية الخاصة للمساعدة على تثبيت جوانب الطرق وحماية المنشآت من الانجرافات الرملية، إلى جانب اعتماد التشجير والحواجز الميكانيكية والتقنيات الحديثة لتثبيت الكثبان الرملية.

وفي هذا الإطار، يمكن تصور مشاريع نموذجية بالمناطق الجنوبية تعتمد على منتجات مصنعة جزئياً من الفوسفوجيبس المعالج، بما يساهم في توسيع مجالات استعمال هذه المواد ورفع الكميات التي يمكن استيعابها سنوياً من المخزون المتراكم. كما يمكن توظيفها في تهيئة المناطق الصناعية الجديدة والفضاءات العمومية والطرقات والمساحات الحضرية بمختلف جهات البلاد.

ويرى الخبراء أن نجاح مثل هذه المشاريع يظل مرتبطاً أساساً بإجراء الدراسات العلمية اللازمة وإثبات الجدوى الفنية والاقتصادية والبيئية بصورة دقيقة وشفافة. فالتعامل مع الفوسفوجيبس يتطلب مقاربة علمية صارمة تضع سلامة الإنسان والبيئة في مقدمة الأولويات، قبل المرور إلى مرحلة الاستغلال الصناعي الواسع.

وفي انتظار استكمال مختلف الحلول النهائية لمعالجة هذا الملف، يبقى خيار تثمين الفوسفوجيبس في صناعة مواد البناء أحد أكثر المسارات الواعدة التي تجمع بين حماية البيئة وتحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز مبادئ الاقتصاد الدائري. فهو يمثل فرصة حقيقية لتحويل إحدى أكبر المشكلات البيئية التي عرفتها صفاقس إلى مشروع تنموي متكامل يمكن أن يشكل نموذجاً وطنياً ناجحاً في حسن استغلال الموارد الصناعية.

إن صفاقس، بما تزخر به من كفاءات علمية وخبرات صناعية ومؤسسات اقتصادية وبحثية، تمتلك المقومات اللازمة للريادة في هذا المجال. وإذا ما توفرت الإرادة السياسية والتخطيط السليم والاستثمار المناسب، فقد يصبح الفوسفوجيبس خلال السنوات القادمة جزءاً من حل بيئي وتنموي متكامل، يساهم في استعادة الواجهة البحرية للمدينة، ويدعم الاقتصاد الجهوي، ويوفر فرص عمل جديدة، ويحول أحد أكبر التحديات البيئية إلى قصة نجاح وطنية تستفيد منها الأجيال القادمة

 

بقلم ..بلقاسم الخماري