مشروع تبرورة بين الحاضر والمستقبل… رؤية عمرانية واضحة قبل فوات الأوان
يُعد مشروع تبرورة أحد أكبر المشاريع العمرانية والبيئية التي عرفتها تونس منذ عقود، ليس فقط بسبب مساحته الشاسعة، وإنما لما يمثله من فرصة تاريخية لإعادة ربط مدينة صفاقس بالبحر بعد سنوات طويلة من القطيعة التي فرضتها الأنشطة الصناعية والتوسع العمراني غير المتوازن. ومع ذلك، ورغم مرور سنوات عديدة على انطلاق المشروع، ما تزال وتيرة الإنجاز بطيئة، وما يزال المواطن لا يرى سوى جزء بسيط مما كان يُفترض أن يتحول إلى مدينة بحرية عصرية تضاهي أهم الواجهات الساحلية في المنطقة.
وخلال الأشهر الأخيرة عاد سكان صفاقس ومكونات المجتمع المدني إلى المطالبة بفتح شاطئ تبرورة أمام العموم، وهو مطلب مشروع يعكس رغبة الأهالي في استعادة حقهم في النفاذ إلى البحر والاستفادة من شريط ساحلي يمتد على حوالي عشرة كيلومترات. غير أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على مسألة فتح الشاطئ أو إبقائه مغلقًا، لأن القضية في جوهرها أعمق بكثير، وتتعلق بمستقبل مشروع كامل يحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة فعلية للتنفيذ.
فالمنطقة تضم تجهيزات وبنية تحتية ومعدات حساسة، وهو ما دفع القائمين على المشروع إلى اعتماد سياسة الحماية والإغلاق خشية تعرضها للتخريب أو السرقة. وقد يكون هذا التخوف مفهومًا من الناحية الإدارية، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى وضع دائم يحرم مدينة بأكملها من الاستفادة من أحد أهم مشاريعها الاستراتيجية. فالمشاريع الكبرى لا تُقاس فقط بما يُنجز داخل الأسوار، بل بما تقدمه للمواطنين وما تضيفه للاقتصاد المحلي ولجودة الحياة.
لقد كان من الممكن أن يتحول مشروع تبرورة إلى نقطة تحول حقيقية في تاريخ صفاقس، وأن يصبح واجهة بحرية حديثة تجمع بين التنمية الاقتصادية والسياحة والترفيه والثقافة والخدمات، بما يعيد رسم صورة المدينة ويمنحها فضاءات مفتوحة تستجيب لحاجيات سكانها وزوارها. إلا أن طول فترات الانتظار، وتعدد الدراسات، وتأخر مراحل الإنجاز، جعل المشروع يفقد جزءًا من الزخم الذي رافق الإعلان عنه، وأصبحت الأرض الواسعة التي كان يفترض أن تضج بالحركة والاستثمار ما تزال في أجزاء كبيرة منها تنتظر الانطلاق الفعلي.
إن أكبر تحد يواجه مشروع تبرورة اليوم ليس التمويل وحده، بل غياب رؤية حضرية واضحة يتفق حولها الجميع. فهناك من يتصور أن مستقبل المنطقة يكمن في إقامة عمارات سكنية وأحياء جديدة، بينما يرى كثيرون أن هذا الخيار سيكرر نماذج عمرانية موجودة أصلًا، ولن يقدم قيمة مضافة حقيقية للمدينة. إن تحويل تبرورة إلى منطقة سكنية بالأساس قد يؤدي مع مرور الزمن إلى فقدان أهميتها الاستراتيجية، وإلى حرمان الأجيال القادمة من فضاء ساحلي استثنائي كان يمكن أن يكون متنفسًا حضريًا وسياحيًا على مستوى وطني.
الرؤية الأكثر استشرافًا تتمثل في بناء مدينة بحرية نابضة بالحياة، يكون السكن فيها عنصرًا مكملًا وليس العنصر المهيمن. مدينة تقوم على السياحة والترفيه والخدمات والأنشطة الاقتصادية والثقافية والرياضية، وتظل نشطة على امتداد السنة، لا خلال أشهر الصيف فقط. فالمدن الساحلية الناجحة في العالم لا تُبنى على الإسمنت وحده، بل على تنوع الوظائف التي تجعلها وجهة دائمة للسكان والزوار والمستثمرين.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تضطلع الدولة بدور أساسي في إنجاز مرافق عمومية تجعل من تبرورة فضاءً يخدم جميع المواطنين، مثل مركز صحي، ودار شباب، ومركز للاصطياف، وقاعات للأنشطة الثقافية، ومسالك مخصصة للمشي والجري وركوب الدراجات، وحدائق كبرى، وملاعب مفتوحة، وفضاءات للأطفال والعائلات، إضافة إلى مرافق رياضية وترفيهية تجعل الواجهة البحرية فضاءً للحياة اليومية وليس مجرد شاطئ موسمي.
كما أن فتح جزء من الشاطئ أمام المواطنين لا يتعارض مع حماية المشروع إذا تم ذلك وفق تنظيم محكم. فمن الممكن اعتماد نظام استراحات وخدمات موزعة على طول الشاطئ، مع ترك مسافات فاصلة بينها قد تصل إلى نحو 300 متر، بما يضمن بقاء أغلب الشاطئ مفتوحًا وحرًا، وفي الوقت نفسه يوفر للمصطافين خدمات أساسية مثل دورات المياه، ونقاط الإسعاف، والاستحمام، والإنقاذ، والمرطبات، وأماكن الجلوس. مثل هذا التنظيم من شأنه أن يحد من مظاهر الاستغلال العشوائي للشاطئ، ويمنع أي محاولات لفرض السيطرة غير القانونية على الفضاء العام، ويضمن حق الجميع في الانتفاع بالشريط الساحلي في إطار من النظام واحترام القانون.
ولا يقتصر الأمر على موسم الاصطياف فقط، بل ينبغي أن تكون تبرورة فضاءً اقتصاديًا وسياحيًا وثقافيًا يعمل طوال السنة. ويمكن استقطاب مشاريع استثمارية في مجالات الفنادق، والمطاعم، والمقاهي، والرياضات البحرية، ومراكز المؤتمرات، والأنشطة الثقافية، مع المحافظة على المساحات الخضراء والبيئة الساحلية، حتى تتحول المنطقة إلى قطب اقتصادي جديد يخلق مواطن الشغل ويعزز مكانة صفاقس كإحدى أهم المدن المتوسطية.
إن نجاح مشروع تبرورة لن يقاس بعدد المباني التي ستشيد، وإنما بقدرته على تحسين جودة الحياة، واستعادة العلاقة الطبيعية بين المدينة والبحر، وتحويل الشريط الساحلي إلى فضاء مفتوح لجميع المواطنين. فالمدينة الحديثة ليست مجموعة من العمارات فقط، وإنما منظومة متكاملة من الخدمات والمرافق والأنشطة التي تجعلها حية في كل الأوقات.
لقد آن الأوان لأن ينتقل النقاش من سؤال: “هل نفتح الشاطئ أم لا؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “أي مدينة نريد أن نبني في تبرورة؟”. فهذه المنطقة ليست مجرد مشروع عقاري، بل هي مشروع حضاري وتنموي سيحدد ملامح صفاقس لعقود قادمة. وكل تأخير في اتخاذ القرار أو في تنفيذ رؤية واضحة يعني ضياع المزيد من الفرص الاستثمارية والسياحية والاقتصادية التي تحتاجها الجهة.
إن تبرورة تمثل فرصة نادرة قد لا تتكرر، وهي تستحق رؤية طموحة تتجاوز الحلول التقليدية، وتضع مصلحة المدينة وسكانها في المقام الأول. فالوعي، وحسن التخطيط، وسرعة الإنجاز، والشراكة بين الدولة والمستثمرين والمجتمع المدني، هي العناصر الكفيلة بتحويل هذا المشروع من حلم طال انتظاره إلى واقع يفتخر به كل أبناء صفاقس، ويصبح نموذجًا وطنيًا في التخطيط العمراني المستدام والتنمية الساحلية المتوازنة.
CARTHAGE 24 NEWS Carthage 24 News – Portail de Presse