الرئيسية / ملفات / الصحافة الحرة صمام أمان للدولة والمجتمع

الصحافة الحرة صمام أمان للدولة والمجتمع

الصحافة الحرة صمام أمان للدولة والمجتمع

لم تكن الصحافة يومًا مجرد مهنة لنقل الأخبار، ولا وسيلة لملء صفحات الجرائد أو ساعات البث التلفزي والإذاعي، بل كانت عبر التاريخ إحدى أهم ركائز بناء الدول الحديثة، وأحد الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة. فالصحافة في جوهرها ليست خصمًا للسلطة، وليست طرفًا في الصراعات السياسية، وإنما هي جسر يربط المواطن بالحقيقة، ويجعل المعلومة الصحيحة في متناول الجميع، حتى لا تتحول الإشاعة إلى حقيقة بديلة، أو يصبح الخيال مصدرًا لتشكيل الرأي العام.

لقد أثبتت تجارب الأمم أن المجتمعات التي تتمتع بإعلام مهني قادر على الوصول إلى المعلومة والتحقق منها، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر مناعة أمام حملات التضليل والإشاعات. أما عندما تضعف المعلومة الدقيقة، أو يتأخر وصولها إلى الناس، فإن المجال يفسح أمام الأخبار غير الموثقة، وتبدأ الروايات المتناقضة في الانتشار، فيجد المواطن نفسه عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والادعاء.

وفي كثير من الدول، خصوصًا تلك التي تمر بتحولات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية عميقة، تصبح الحاجة إلى الإعلام المهني أكثر إلحاحًا. فكلما ازدادت حساسية المرحلة، ازدادت أهمية وجود صحافة تتحرى الدقة، وتلتزم بالموضوعية، وتنقل الوقائع كما هي، بعيدًا عن الإثارة أو التهويل أو خدمة المصالح الضيقة.

لقد أصبحت المعلومة اليوم تنتقل في ثوانٍ معدودة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يعد إنتاج الأخبار حكرًا على المؤسسات الإعلامية. فكل هاتف ذكي قادر على نشر صورة أو مقطع فيديو أو تعليق قد يصل إلى مئات الآلاف من الأشخاص خلال دقائق. غير أن سرعة الانتشار لا تعني بالضرورة صحة المحتوى، بل إن كثيرًا من الأخبار الزائفة تنتشر بوتيرة أسرع من الأخبار الصحيحة لأنها تعتمد على الإثارة واستغلال مشاعر الناس.

وتشير العديد من الدراسات الإعلامية إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى تصديق الأخبار التي تتوافق مع قناعاته أو مخاوفه، حتى قبل التحقق من صحتها. وهنا تتجلى الوظيفة الحقيقية للصحافة المهنية، التي لا تكتفي بنقل الخبر، بل تتحقق من مصادره، وتقارن بين الروايات المختلفة، وتضع الوقائع في سياقها الصحيح.

وتعيش الساحة التونسية خلال السنوات الأخيرة حالة من الزخم الإعلامي غير المسبوق. فكل يوم يحمل معه أخبارًا جديدة، وتصريحات متباينة، وتسريبات، وتعليقات، وتحليلات، ونقاشات واسعة على مختلف المنصات الرقمية. وأمام هذا التدفق الهائل للمعلومات، يجد المواطن نفسه أمام مشهد معقد، تختلط فيه الحقائق بالآراء، والوقائع بالتأويلات، والتسريبات بالتكهنات.

وفي أحيان كثيرة، تتصدر النقاش العام ملفات حساسة، سواء تعلقت بقضايا قضائية تحظى بمتابعة واسعة، أو بسياسات اقتصادية واجتماعية، أو بملفات الهجرة غير النظامية، أو بقضايا الأمن، أو بغيرها من المواضيع التي تثير اهتمام الرأي العام. وفي مثل هذه الملفات، يصبح الطلب على المعلومة الدقيقة أكبر من أي وقت مضى، لأن المواطن يريد أن يفهم ما يحدث، وأن يطّلع على الوقائع من مصادر موثوقة.

ولا يكمن التحدي في كثرة الأسئلة التي يطرحها الناس، بل في كيفية الإجابة عنها. فحين تتوفر المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، تتراجع مساحة الإشاعة تلقائيًا، أما عندما يغيب التوضيح أو يتأخر، فإن فراغ المعلومات قد يفتح المجال أمام اجتهادات شخصية وتأويلات متباينة، قد تكون متناقضة أو غير دقيقة.

إن السؤال في حد ذاته ليس مشكلة، بل هو تعبير طبيعي عن اهتمام المواطنين بالشأن العام. والمجتمعات التي تشجع الحوار وتداول المعلومات في إطار القانون والمؤسسات، تكون أكثر قدرة على تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. لذلك فإن التواصل المؤسسي المنتظم، وتقديم المعلومات الموثقة، وشرح القرارات العامة كلما أمكن، تمثل عناصر مهمة في ترسيخ الثقة والحد من انتشار الأخبار غير الدقيقة.

ومن المهم أيضًا التمييز بين الصحافة المهنية وبين المحتوى الذي ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فالصحفي المحترف يخضع، من حيث المبدأ، لقواعد مهنية وأخلاقية، من بينها التحقق من المصادر، واحترام حق الرد، وتجنب نشر الاتهامات دون سند، والتمييز بين الخبر والرأي. أما كثير من المحتويات المتداولة عبر المنصات الرقمية، فلا تخضع بالضرورة لهذه المعايير، وهو ما يجعل المتلقي مطالبًا بدوره بالتحقق وعدم التسرع في إعادة نشر كل ما يصله.

كما أن مسؤولية مواجهة الإشاعة لا تقع على عاتق الإعلام وحده، بل هي مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية، والمواطنين أنفسهم. فكل طرف يؤدي دورًا في ترسيخ ثقافة التثبت من المعلومات واحترام الحقيقة.

ولعل من أهم الدروس التي تقدمها التجارب الدولية أن الثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بالممارسة اليومية. فعندما يشعر المواطن بأن المعلومة الرسمية متاحة، وأن وسائل الإعلام تعمل وفق قواعد مهنية، وأن النقاش العام يستند إلى الوقائع لا إلى الشائعات، يصبح المجتمع أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة الأزمات.

كما أن الصحافة الاستقصائية الجادة تؤدي دورًا مهمًا في كشف الاختلالات والفساد وسوء التصرف عندما تستند إلى الأدلة والوثائق وتلتزم بالقانون، وهو دور يمكن أن يسهم في تحسين أداء المؤسسات وتعزيز المساءلة. وفي المقابل، فإن المسؤولية المهنية تقتضي أيضًا تجنب إطلاق الاتهامات دون بينات، واحترام قرينة البراءة، وعدم تحويل الشائعات إلى أخبار.

إن الحقيقة ليست رفاهية فكرية، بل هي عنصر أساسي في الأمن المجتمعي. فكل معلومة صحيحة تمنع ولادة عشرات الإشاعات، وكل توضيح رسمي في وقته يحد من انتشار التأويلات، وكل إعلام مهني يلتزم بالدقة يسهم في حماية الاستقرار أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى.

وتونس، بما تمتلكه من تاريخ طويل في العمل الصحفي والإعلامي، وبما تشهده من نقاشات عامة حول مختلف القضايا الوطنية، تحتاج اليوم إلى ترسيخ ثقافة تقوم على احترام الحق في الوصول إلى المعلومة، وتشجيع الصحافة المهنية، وتعزيز التواصل المؤسسي، حتى يبقى النقاش العام قائمًا على الوقائع لا على التخمينات.

إن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة عملية مستمرة، ولا تتحقق بقرار واحد أو تصريح عابر، وإنما تتطلب وضوحًا في المعلومة، وتواصلًا منتظمًا، وإعلامًا مهنيًا، ومواطنًا واعيًا يدرك أن التحقق من الخبر مسؤولية جماعية.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة هي الركيزة التي تقوم عليها الدول المستقرة والمجتمعات القادرة على مواجهة التحديات. فكلما اقتربت المؤسسات والإعلام من الحقيقة، وحرصت على إيصالها للمواطن بوضوح وموضوعية، ازدادت الثقة، وتراجعت الإشاعات، وتعززت قدرة المجتمع على تجاوز الأزمات. فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على غياب الأسئلة، بل على وجود إجابات واضحة، ومعلومات موثقة، وحوار مسؤول يحترم عقول المواطنين ويجعل الحقيقة دائمًا في المقام الأول.

بقلم …بلقاسم الخماري