الرئيسية / متابعات / الصلح الجزائي في بعده الاقتصادي والاجتماعي: تغيير أدوات المحاسبة بقرار سياسي

الصلح الجزائي في بعده الاقتصادي والاجتماعي: تغيير أدوات المحاسبة بقرار سياسي

الصلح الجزائي في بعده الاقتصادي والاجتماعي: تغيير أدوات المحاسبة بقرار سياسي

الصلح الجزائي آلية قانونية تسمح للدولة بتسوية النزاعات المالية والجبائية مع الأشخاص الطبيعيين والمعنويين محل التتبعات، مقابل استرجاع جزء من الأموال موضوع النزاع والالتزام بمسار واضح للاستثمار والشفافية. والغاية من هذه الآلية ليست إسقاط المحاسبة أو إعفاء المخالفين من المسؤولية، بل تغيير أدوات المحاسبة بما يحقق مصلحة الدولة والمجتمع.

فالفرق الجوهري بين العقاب والصلح أن العقاب قد يوقف الدورة الاقتصادية لسنوات طويلة، في حين أن الصلح الجزائي المنظم يعيد تشغيلها ويحول الأموال المجمدة في الملفات القضائية إلى موارد فاعلة داخل الاقتصاد الوطني. فالمال المحجوز لا يخلق مواطن شغل ولا يساهم في التنمية، بينما يمكن للأموال المسترجعة أن تدعم الاستثمار وتنعش النشاط الاقتصادي.

ومن هذا المنطلق، يمثل الصلح الجزائي قراراً سيادياً تتخذه الدولة لتحرير الثروة المعطلة وإعادة توظيفها في خدمة الاستقرار المالي والتنمية الحقيقية. فالمصالحة مع رجال الأعمال والشركات عبر تفعيل هذه الآلية ليست إجراءً استثنائياً، بل هي خيار اقتصادي اعتمدته عديد الدول لمعالجة ملفات مالية عالقة وتحويلها إلى فرص للنمو والإنتاج.

وتكمن أهمية الصلح الجزائي أولاً في توفير السيولة للدولة. فالأموال المسترجعة يمكن أن تساهم في تمويل الاستثمار العمومي، أو الحد من الضغط على المديونية، أو دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة عبر آليات التمويل المختلفة. وبدلاً من بقاء هذه الأموال رهينة النزاعات القضائية، تصبح جزءاً من الدورة الاقتصادية المنتجة.

كما يساهم الصلح الجزائي في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، لأن وراء كل مؤسسة متعثرة أو مجمدة النشاط عمالاً وعائلات ومزودين وشركاء اقتصاديين. فتوقف المؤسسة لا يمس صاحبها فقط، بل يؤثر في منظومة اقتصادية واجتماعية كاملة. وعندما تتم تسوية الملفات العالقة، تستعيد المؤسسات قدرتها على الإنتاج والتصدير والاستثمار، بما يحافظ على مواطن الشغل ويحد من البطالة وهجرة الكفاءات.

أما على مستوى التنمية، فإن الصلح الجزائي الناجح يجب أن يقترن بالتزام استثماري واضح. فالمستفيد من التسوية لا يعود فقط إلى النشاط الاقتصادي، بل يلتزم بالمساهمة في خلق مشاريع جديدة أو توسيع مشاريع قائمة، خاصة في الجهات الداخلية والمناطق الأقل نمواً. وهكذا يتحول ملف قضائي إلى مشروع تنموي يخلق الثروة ويعزز التنمية الجهوية.

ولكي تحقق هذه الآلية أهدافها وتكسب ثقة الرأي العام، لا بد من توفر جملة من الضمانات. أولها الشفافية الكاملة من خلال الإعلان عن اتفاقات الصلح وقيمة المبالغ المسترجعة وطبيعة المشاريع الاستثمارية والآجال المحددة لتنفيذها. فالشفافية تحمي الدولة من شبهات المحاباة وتحمي المستثمر من الاتهامات، كما تعزز مناخ الثقة الضروري للاستثمار.

أما الضمان الثاني فيتمثل في الرقابة اللاحقة والحوكمة الرشيدة. فالصلح الجزائي يجب أن يغلق الملفات السابقة، لكنه في المقابل يفتح مرحلة جديدة تقوم على الالتزام بالقانون والخضوع للرقابة الجبائية والمحاسبية وفق معايير واضحة تضمن عدم تكرار التجاوزات مستقبلاً.

إن تونس اليوم في حاجة إلى قرارات اقتصادية جريئة تعيد تحريك عجلة الاستثمار وتحرر الثروة المعطلة. فالصلح الجزائي ليس تبييضاً للماضي بقدر ما هو استثمار في المستقبل، لأنه يقوم على استرجاع حقوق الدولة وتحويل الأموال المجمدة إلى مشاريع وفرص عمل وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

كما أن نجاح هذه الآلية يتطلب إرادة سياسية واضحة ورؤية اقتصادية شاملة ومناخاً استثمارياً مستقراً وقادراً على استيعاب التسويات وتحويلها إلى فرص حقيقية للنمو. فالمسألة ليست قانونية أو قضائية فقط، بل هي أيضاً خيار اقتصادي واجتماعي يوازن بين حماية حقوق الدولة والمحافظة على النسيج الاقتصادي ومواطن الشغل.

فالعديد من المؤسسات أُجبرت على الإغلاق أو التوقف عن النشاط بسبب ملفات مالية كان بالإمكان تسويتها في إطار قانوني واضح يضمن حقوق الجميع. ومن هنا يمكن للصلح الجزائي أن يكون أداة لإنقاذ المؤسسات من الإفلاس، والمحافظة على مواطن الشغل، وتحويل الأزمات إلى فرص للتنمية والاستقرار.

إن الصلح الجزائي المنظم، القائم على الشفافية والالتزام الاستثماري والرقابة الفعالة، يمكن أن يشكل جسراً للعبور من زمن التعطيل والتجميد إلى زمن البناء والإنتاج، بما يخدم مصلحة الدولة والاقتصاد والمجتمع على حد سواء.

بقلم …بلقاسم الخماري

Haut du formulaire

Bas du formulaire