الرئيسية / متابعات / الدورة الستون لمعرض صفاقس الدولي: ستة عقود من صناعة الاقتصاد والذاكرة والأمل

الدورة الستون لمعرض صفاقس الدولي: ستة عقود من صناعة الاقتصاد والذاكرة والأمل

الدورة الستون لمعرض صفاقس الدولي: ستة عقود من صناعة الاقتصاد والذاكرة والأمل

حين تفتح أبواب معرض صفاقس الدولي أبوابها يوم 9 جوان 2026، لن يكون الأمر مجرد انطلاق دورة جديدة من تظاهرة اقتصادية وتجارية عريقة، بل سيكون احتفالاً بستين عاماً من تاريخ مدينة صنعت جزءاً مهماً من شخصيتها وهويتها الاقتصادية والاجتماعية داخل هذا الفضاء الذي تحول مع الزمن إلى أحد أبرز رموز صفاقس الحديثة.

ستون عاماً مرت منذ انطلاق أول دورة لمعرض صفاقس الدولي. ستون عاماً من العمل المتواصل، ومن الرهان على المبادرة الخاصة، ومن الإيمان بأن التنمية لا تُبنى بالشعارات بل بالاجتهاد والابتكار والانفتاح على العالم. وخلال هذه العقود الستة، لم يكن المعرض مجرد مكان لعرض المنتجات أو تسويق الخدمات، بل كان شاهداً على التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي عرفتها الجهة والبلاد بأسرها.

لقد ارتبط اسم المعرض في وجدان الصفاقسية بذكريات لا تُحصى. أجيال كاملة عاشت أولى لحظات اكتشافها للعالم من خلال أجنحته. أطفال كانوا يأتون رفقة عائلاتهم ليتحولوا بعد سنوات إلى طلبة ومهنيين ثم إلى أصحاب مؤسسات وشركات يعرضون منتجاتهم في المكان نفسه الذي كانوا يتجولون فيه صغاراً. ولذلك فإن الحديث عن معرض صفاقس الدولي لا يقتصر على الأرقام والإحصائيات، بل يتجاوزها إلى الحديث عن ذاكرة جماعية صنعتها ستة عقود من اللقاءات والنجاحات واللحظات الإنسانية الجميلة.

منذ تأسيسه، لعب المعرض دوراً محورياً في دعم الاقتصاد الجهوي والوطني. فقد مثل منصة حقيقية للتعريف بالمؤسسات الصناعية والتجارية والخدماتية، وساهم في فتح آفاق جديدة أمام المستثمرين وأصحاب المبادرات الخاصة. كما كان فضاءً رحباً للتواصل بين المنتجين والمستهلكين، وبين المؤسسات الاقتصادية ومختلف الفاعلين في المشهد التنموي.

ولم تتوقف مساهمة المعرض عند الجانب التجاري فقط، بل امتدت إلى المجال الفكري والثقافي والتنموي. فقد احتضن عشرات الندوات والملتقيات واللقاءات التي ناقشت قضايا الاقتصاد والاستثمار والتشغيل والبنية التحتية والتنمية الجهوية. وتحول على امتداد السنوات إلى منصة للحوار بين مختلف الأطراف، وإلى فضاء تُطرح فيه انتظارات الجهة ومشاغلها أمام المسؤولين وصناع القرار.

ولعل ما يميز معرض صفاقس الدولي عن غيره من التظاهرات المماثلة هو قدرته على الجمع بين البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي. فهو ليس معرضاً مهنياً مغلقاً على المختصين ورجال الأعمال فقط، بل هو أيضاً فضاء عائلي بامتياز. آلاف العائلات اعتادت أن تجعل من زيارة المعرض موعداً سنوياً ثابتاً، بما يوفره من أنشطة متنوعة وعروض ترفيهية وثقافية وتجارية تجعل منه مناسبة ينتظرها الجميع بمختلف أعمارهم واهتماماتهم.

وفي مدينة عُرفت تاريخياً بروح العمل والإنتاج والانضباط، أصبح المعرض مرآة حقيقية للشخصية الصفاقسية. فهو يجسد قيم المبادرة والجدية والاعتماد على الذات، ويعكس قدرة أبناء الجهة على تحويل الأفكار إلى مشاريع والجهد إلى نجاحات ملموسة. لذلك لم يكن مستغرباً أن يواصل المعرض مسيرته بنجاح رغم التحديات الاقتصادية والتحولات العميقة التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة.

وخلال السنوات العشر الماضية، شهد المعرض مرحلة جديدة من التطوير والتحديث. فقد عملت جمعية المعارض والمؤتمرات الدولية بصفاقس على تجديد أساليب العمل والعرض، وتحسين البنية التنظيمية، وتوسيع دائرة المشاركة لتشمل مختلف القطاعات الاقتصادية والمؤسسات الناشئة والمبادرات الشبابية. كما تم تعزيز الانفتاح على التقنيات الحديثة ومواكبة التطورات العالمية في مجال تنظيم المعارض والتظاهرات الاقتصادية.

وتأتي الدورة الستون لتؤكد هذا التوجه نحو المستقبل. فإلى جانب بعدها الاحتفالي، تمثل هذه الدورة فرصة لاستحضار مسيرة طويلة من النجاحات والإنجازات، وفرصة أيضاً للتفكير في التحديات القادمة وكيفية تعزيز دور المعرض في خدمة الاقتصاد المحلي والوطني. ومن المنتظر أن تتضمن هذه الدورة برامج توثيقية خاصة، ومعارض للصور والوثائق، وإصدارات تستعرض المحطات الكبرى التي شكلت تاريخ هذه المؤسسة العريقة.

إن ستين عاماً من الاستمرارية ليست أمراً عادياً في عالم سريع التغير. فالكثير من المؤسسات والتظاهرات اختفت أو فقدت بريقها مع مرور الزمن، بينما استطاع معرض صفاقس الدولي أن يحافظ على مكانته وأن يجدد نفسه باستمرار. وهذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة جهود أجيال متعاقبة من المسؤولين والمنظمين والعاملين والشركاء الذين آمنوا بأهمية هذه المؤسسة ودورها في خدمة الجهة والبلاد.

وعندما تنطلق فعاليات الدورة الستين من 9 إلى 23 جوان 2026 بقصر المعارض الدولي بصفاقس، فإن الأمر لن يتعلق فقط بالاحتفال بالماضي، بل سيكون أيضاً إعلاناً عن بداية مرحلة جديدة من الطموح والعمل. فالمعرض الذي نجح في صناعة الذاكرة قادر كذلك على صناعة المستقبل، والمدينة التي أنجبت هذه التجربة الرائدة لا تزال تمتلك من الطاقات والكفاءات ما يؤهلها لمواصلة لعب دورها الاقتصادي الريادي.

لقد أثبتت صفاقس عبر تاريخها الطويل أنها مدينة تصنع الفرص من التحديات، وتحوّل الصعوبات إلى قصص نجاح. ومعرضها الدولي كان دائماً أحد أبرز عناوين هذه الروح الخلاقة. وبعد ستة عقود من العطاء، يبقى المعرض شاهداً على عبقرية مدينة آمنت بالعمل طريقاً للتقدم، وبالاقتصاد وسيلة للتنمية، وبالإنسان أساساً لكل نجاح.

ستون عاماً مضت، وأحلام كثيرة تحققت. أما الأحلام التي ما تزال تنتظر فرصتها، فإن الدورة الستين تأتي لتؤكد أن الطريق ما يزال مفتوحاً، وأن صفاقس قادرة دائماً على أن تكتب فصولاً جديدة من النجاح، وأن تحافظ على مكانتها كعاصمة اقتصادية نابضة بالحيوية والإبداع والعمل.

بقلم….بلقاسم الخماري