إفريقيا المبتكرة 2026 من صفاقس: عندما تتحول أفكار النساء إلى مشاريع تصنع اقتصاد الغد
لم تكن صفاقس خلال الأيام الثلاثة الماضية مجرد مدينة تستضيف مسابقة أو تظاهرة اقتصادية عابرة، بل تحولت إلى منصة إفريقية حقيقية للابتكار وريادة الأعمال النسائية، وإلى فضاء مفتوح لتبادل الخبرات والتجارب والأفكار بين نساء يؤمنّ بأن المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع.
ففي أجواء اتسمت بالحماس والتنافس والإبداع، اختتمت يوم الأحد 1 جوان 2026 فعاليات النسخة التونسية من برنامج “إفريقيا المبتكرة 2026″، وهو برنامج يهدف إلى اكتشاف ودعم المشاريع النسائية القادرة على تقديم حلول جديدة ومنتجات مبتكرة ذات قدرة تنافسية في الأسواق الإفريقية والعالمية.
ولعل ما يميز هذه المبادرة أنها لا تكتفي بتشجيع تطوير منتج أو خدمة موجودة، بل تدفع المشاركات إلى التفكير خارج الأطر التقليدية والبحث عن أفكار جديدة قادرة على خلق قيمة اقتصادية حقيقية. فالمطلوب ليس مجرد تحسين الموجود، وإنما ابتكار ما يمكن أن يصبح علامة فارقة في المستقبل، وهو ما جعل المنافسة تحمل بعداً استراتيجياً يتجاوز حدود الجائزة أو التتويج.
وقد احتضنت غرفة التجارة والصناعة بصفاقس فعاليات البرنامج بصفتها شريكاً رئيسياً في التنظيم والإعداد والتأطير، بالتعاون مع المنظمة الإفريقية للملكية الفكرية OAPI، في خطوة تؤكد أهمية الربط بين الابتكار والاقتصاد والمؤسسة الحرة، باعتبار أن الأفكار المبدعة لا يمكن أن تتحول إلى مشاريع ناجحة دون بيئة اقتصادية داعمة وآليات مرافقة فعالة.
الأرقام التي كشفت عنها الدورة التونسية تعكس حجم الاهتمام المتزايد بريادة الأعمال النسائية في تونس. فقد تقدمت أربعون مؤسسة نسائية بملفات ترشحها للمشاركة، اجتاز ثلاثون منها مرحلة الانتقاء الأولى، قبل أن تصل عشرون مؤسسة إلى المرحلة النهائية وتعرض مشاريعها أمام لجنة تحكيم دولية ضمت خبراء مختصين في مجالات الابتكار والاستثمار والتسويق والتنمية المستدامة.
وتوزعت المشاريع المشاركة على قطاعات متنوعة تعكس التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم، من الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي إلى الصناعات الخضراء والتنمية المستدامة والتكنولوجيات الحديثة والخدمات المبتكرة. ورغم اختلاف المجالات، فقد جمعت هذه المشاريع رؤية مشتركة تقوم على تطوير منتجات وخدمات تونسية قادرة على اختراق الأسواق الخارجية والمساهمة في تعزيز الحضور الاقتصادي التونسي داخل القارة الإفريقية وخارجها.
وقبل الوصول إلى مرحلة العروض النهائية، نظمت اللجنة الدولية المشرفة على البرنامج سلسلة من الزيارات الميدانية لعدد من المؤسسات الاقتصادية والأكاديمية بجهة صفاقس. ولم تكن هذه الزيارات مجرد نشاط بروتوكولي، بل شكلت فرصة للاطلاع المباشر على خصوصيات النسيج الاقتصادي المحلي وعلى التجارب الناجحة التي راكمتها الجهة في مجالات الصناعة والخدمات والتعليم العالي.
وشملت الزيارات عدداً من المؤسسات الاقتصادية الرائدة إلى جانب مؤسسات جامعية، بما ساهم في تقديم صورة واضحة عن الإمكانيات التي تزخر بها صفاقس باعتبارها واحدة من أهم الأقطاب الاقتصادية في تونس وأكثرها قدرة على احتضان المشاريع المبتكرة ودعمها.
وخلال اليوم الختامي، وجدت المشاركات أنفسهن أمام تحد حقيقي، حيث خصصت لكل مترشحة سبع دقائق فقط لتقديم مشروعها والدفاع عنه أمام لجنة التحكيم. سبع دقائق بدت قصيرة زمنياً لكنها كانت كافية للكشف عن أشهر وربما سنوات من العمل والبحث والتخطيط والتطوير.
وقد أظهرت العروض مستوى متقدماً من النضج الفكري والمهني لدى المشاركات، كما كشفت عن وجود جيل جديد من رائدات الأعمال التونسيات القادرات على تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للحياة الاقتصادية وقادرة على التوسع والنمو.
وفي ختام المداولات، أعلنت لجنة التحكيم فوز المهندسة رباح الدباغي بالمرتبة الأولى عن مشروعها “BYOKOB Cosmetics” المختص في إنتاج مستحضرات التجميل الطبيعية.
ويعتبر هذا التتويج تتويجاً لمسار علمي ومهني متميز، حيث تجمع رباح الدباغي بين التكوين الهندسي في مجال الهندسة الكيميائية والعمليات وبين التخصص في المالية الاجتماعية والتنمية المستدامة. وقد نجح مشروعها في استقطاب اهتمام لجنة التحكيم بفضل اعتماده على مواد طبيعية بالكامل وتبنيه لمبادئ الاقتصاد الأخضر والاستدامة البيئية، إضافة إلى امتلاكه مقومات التوسع والانتشار في الأسواق الخارجية.
ولم يكن فوز المشروع مجرد مكافأة لفكرة مبتكرة، بل رسالة واضحة مفادها أن العالم يتجه اليوم نحو المنتجات المسؤولة بيئياً والقائمة على احترام الموارد الطبيعية وتقديم حلول تجمع بين الجودة والربحية والاستدامة.
غير أن الحدث لم يتوقف عند إعلان اسم الفائزة، لأن فلسفة البرنامج تقوم أساساً على مرافقة جميع المشاركات وتمكينهن من تطوير مشاريعهن. ولهذا سيتم تنظيم دورات تكوين وتربصات مجانية في الإدارة والتسويق والذكاء الاصطناعي والتصرف لفائدة المؤسسات العشرين التي بلغت المرحلة النهائية، بما يعزز فرص نجاحها وتحولها إلى مؤسسات قادرة على خلق الثروة ومواطن الشغل.
ومن بين أهم الرسائل التي خرجت بها هذه الدورة، التأكيد على أن تونس لا تعاني نقصاً في الأفكار أو الكفاءات أو المبادرات، بل تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى بيئة تشريعية وإدارية مرنة تواكب التحولات الاقتصادية المتسارعة. فالكثير من المشاريع الناشئة والمبتكرة تصطدم أحياناً بإجراءات تقليدية أو نصوص قانونية لم تعد تستجيب لطبيعة الاقتصاد الجديد القائم على الابتكار والتكنولوجيا والمعرفة.
ولذلك أجمع الخبراء والمشاركات على ضرورة مواصلة إصلاح المنظومة القانونية والاقتصادية بما يفتح المجال أمام هذه المشاريع للوصول بسهولة أكبر إلى التمويل والأسواق والشراكات الدولية، وخاصة داخل الفضاء الإفريقي الذي أصبح يمثل اليوم إحدى أهم الفرص الاقتصادية الواعدة أمام المؤسسات التونسية.
لقد أثبتت صفاقس مرة أخرى أنها ليست فقط عاصمة اقتصادية وصناعية، بل أيضاً فضاء للابتكار والإبداع وريادة الأعمال. كما أثبتت المرأة التونسية أنها قادرة على تحويل المعرفة إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى قصة نجاح يمكن أن تتجاوز الحدود الوطنية نحو فضاءات أوسع.
ومع إسدال الستار على فعاليات “إفريقيا المبتكرة 2026″، قد يبدو الحدث قد انتهى من الناحية التنظيمية، لكنه في الواقع يمثل بداية مرحلة جديدة. مرحلة عنوانها بناء شبكة إفريقية من النساء المبدعات ورائدات الأعمال، وتعزيز حضور المنتوج التونسي في الأسواق العالمية، وتحويل الابتكار من فكرة داخل قاعة عرض إلى قوة اقتصادية قادرة على صناعة المستقبل
CARTHAGE 24 NEWS Carthage 24 News – Portail de Presse