الرئيسية / متابعات / ملحمة صفاقس يوم 16 جويلية 1881

ملحمة صفاقس يوم 16 جويلية 1881

ملحمة صفاقس يوم 16 جويلية 1881

تُعدّ ملحمة صفاقس يوم 16 جويلية 1881 واحدة من أبرز صفحات المقاومة الوطنية في تاريخ تونس الحديث، إذ تحولت المدينة إلى قلعة صمود في مواجهة الغزو الفرنسي الذي فرض نفسه على البلاد إثر توقيع معاهدة الحماية في 12 ماي 1881. وقد مثّلت هذه الملحمة لحظة فارقة كشفت عن تمسك التونسيين بسيادتهم ورفضهم الخضوع للاستعمار، رغم اختلال موازين القوى العسكرية بين المقاومين والجيش الفرنسي.

تعود جذور الأحداث إلى سنوات سبقت الغزو، عندما كانت فرنسا، بعد احتلالها للجزائر سنة 1830، تسعى إلى بسط نفوذها على المملكة التونسية التابعة اسمياً للدولة العثمانية. وقد وفّر مؤتمر برلين سنة 1878 الغطاء الدولي لهذا المشروع الاستعماري، بعدما حصلت فرنسا على موافقة القوى الأوروبية الكبرى مقابل ترتيبات استعمارية أخرى في المنطقة. ولم تكن فرنسا تنتظر سوى الذريعة المناسبة للتدخل العسكري، فاستغلت تحركات بعض القبائل الحدودية في منطقة خمير لتبرير اجتياح الأراضي التونسية.

في أفريل 1881 بدأت القوات الفرنسية زحفها نحو تونس بأكثر من ثمانية وعشرين ألف جندي، وتقدمت بسرعة نحو المدن الشمالية والعاصمة. وفي 12 ماي أُجبر محمد الصادق باي على توقيع معاهدة باردو التي وضعت البلاد تحت الحماية الفرنسية. ورغم أن الاحتلال تمكن من فرض سيطرته على أجزاء واسعة من الشمال دون مقاومة كبيرة، فإن الجنوب والوسط التونسي شهدا موجة رفض واسعة سرعان ما تحولت إلى حركة مقاومة منظمة.

كانت صفاقس في مقدمة المدن الرافضة للاحتلال. فقد أعلن أهلها العصيان في 28 جوان 1881 ورفضوا الاعتراف بالوضع الجديد الذي فرضته فرنسا. وتحولت المدينة إلى مركز للمقاومة الوطنية، حيث توافد إليها المجاهدون من مختلف القبائل والعروش المجاورة. كما اجتمع زعماء القبائل والعلماء في القيروان خلال شهر جوان وأعلنوا عزمهم على مقاومة الاحتلال. وفي هذا المناخ الثوري برز القائد علي بن خليفة النفاتي وعدد من القادة المحليين الذين قادوا حركة المقاومة المسلحة، واتخذ الثوار من صفاقس قاعدة رئيسية لنشاطهم.

أدركت فرنسا أن السيطرة على تونس لن تكتمل ما دامت صفاقس صامدة، لذلك قررت إخضاعها بالقوة. فأرسلت أسطولاً حربياً ضخماً إلى سواحل المدينة مدعوماً بآلاف الجنود والمدافع الثقيلة. ومع بداية شهر جويلية 1881 شرعت البوارج الفرنسية في قصف المدينة بشكل متواصل، مستهدفة الأسوار والمنازل والأحياء السكنية. ورغم محدودية إمكانات المدافعين، فقد أبدوا مقاومة عنيفة أربكت القوات الفرنسية وأخرت تقدمها.

وتصاعدت العمليات العسكرية مع وصول تعزيزات بحرية جديدة يوم 14 جويلية، حيث بلغ عدد السفن الحربية الفرنسية الراسية قبالة سواحل صفاقس أكثر من عشرين سفينة. وفي الوقت الذي كانت فرنسا تحتفل بعيدها الوطني بإطلاق المدافع في عرض للقوة، كان أهالي صفاقس يستعدون لمعركة مصيرية ستحدد مصير مدينتهم.

مع فجر يوم الجمعة 16 جويلية 1881 بدأ الهجوم الحاسم. فقد فتحت المدفعية الفرنسية نيراناً كثيفة على المدينة قبل أن تنزل قواتها على الشاطئ وتشرع في اقتحام الأسوار. كانت المعركة غير متكافئة من حيث العدد والعدة، لكن المقاومين خاضوا المواجهة بشجاعة نادرة. وشارك في الدفاع عن المدينة أبناء صفاقس إلى جانب قبائل النفات والمهاذبة والهمامة والجلاص وبني زيد والمثاليث وغيرها من العروش التي توحدت تحت راية مقاومة المحتل.

دامت المعارك ثلاثة أيام بلياليها، وتحولت شوارع المدينة وأحياؤها إلى ساحات قتال شرسة. وكان المقاومون يواصلون إطلاق النار من الأزقة والأسطح وأقبية المنازل، مما اضطر القوات الفرنسية إلى خوض حرب شوارع عنيفة. ومع اشتداد المقاومة لجأت قوات الاحتلال إلى تفجير بعض الأحياء وتدمير المباني واقتحام المنازل بيتاً بيتاً، كما نفذت عمليات إعدام ميدانية ضد كل من عُثر عليه حاملاً للسلاح.

خلف القصف الفرنسي دماراً واسعاً في المدينة. فقد أطلقت البوارج أكثر من ألفي قذيفة مدفعية ثقيلة، دمرت أجزاء كبيرة من الأسوار والأسواق والمنازل والمعالم العمرانية. وتحولت أحياء كاملة إلى ركام، بينما اندلعت الحرائق في أماكن عديدة. وتشير الروايات التاريخية إلى سقوط ما بين ثمانمائة وألف شهيد أو أكثر من المقاومين والسكان، في واحدة من أعنف المعارك التي شهدتها تونس خلال فترة الاحتلال.

ولم يتوقف العقاب الفرنسي عند حدود الانتصار العسكري. فبعد سقوط المدينة فرضت سلطات الاحتلال غرامة مالية ضخمة قدرت بستة ملايين فرنك فرنسي، بدعوى تعويض الأضرار التي لحقت بالممتلكات الأجنبية. وأثقلت هذه الغرامة كاهل الأهالي، واضطر العديد منهم إلى بيع ممتلكاتهم ومدخراتهم لتسديدها. كما شنت السلطات الاستعمارية حملات اعتقال ومحاكمات انتهت بإعدام عدد من الأسرى، ومن بينهم أفراد من عائلة الكشو الذين خلدت تضحياتهم في ذاكرة المدينة.

ورغم سقوط صفاقس عسكرياً، فإن مقاومتها تركت أثراً عميقاً في تاريخ الحركة الوطنية التونسية. فقد اعترفت حتى بعض المصادر العسكرية الفرنسية بشراسة الدفاع الذي أبداه أهل المدينة وبسالة المقاومين الذين واجهوا جيشاً يفوقهم عدداً وتسليحاً. كما برهنت الملحمة على قدرة التونسيين على تجاوز خلافاتهم القبلية والجهوية عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الوطن، إذ توحدت المدينة والقبائل المحيطة بها في جبهة واحدة ضد الاحتلال.

وقد خلد التاريخ أسماء عدد من القادة الذين لعبوا دوراً بارزاً في هذه الملحمة، من بينهم علي بن خليفة النفاتي ومحمد كمون ومحمد الشريف ومحمد خماخم وبلقاسم بن شرودة والعرضاوي وغيرهم من رجالات المقاومة الذين قادوا المواجهة أو استشهدوا في ميادين القتال. غير أن البطولة الحقيقية ظلت جماعية، صنعها مئات المقاتلين المجهولين وآلاف الأهالي الذين تحملوا الحصار والقصف والدمار دفاعاً عن مدينتهم.

إن ملحمة صفاقس ليست مجرد حدث محلي يخص مدينة بعينها، بل هي صفحة وطنية كبرى تجسد إرادة شعب رفض الخضوع للاستعمار. فقد تحولت صفاقس في صيف سنة 1881 إلى رمز للصمود والتضحية، وكتبت بدماء أبنائها واحدة من أروع صفحات الكفاح الوطني التونسي. وما تزال ذكراها حية في وجدان الأجيال، شاهدة على أن الحرية والسيادة لم تكونا يوماً هبة مجانية، بل ثمرة تضحيات جسام قدمها رجال ونساء آمنوا بحقهم في الدفاع عن أرضهم وكرامتهم حتى آخر لحظة.

بقلم …بلقاسم الخماري