حين يتحول الدجل إلى تجارة… من يحمي التونسيين من استغلال الجهل؟
في الوقت الذي يفترض فيه أن تتقدم المجتمعات بالعلم والمعرفة والتفكير النقدي، ما تزال ظاهرة الشعوذة والتدجيل تجد لها مكانا واسعا داخل المجتمع التونسي، مستفيدة من هشاشة الوعي لدى بعض الفئات ومن الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الكثيرين إلى البحث عن “حلول سحرية” لمشاكلهم اليومية.
ففي الأحياء الشعبية كما على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، انتشرت خلال السنوات الأخيرة عشرات الوجوه التي تقدم نفسها في هيئة “عرافين” و”معالجين روحانيين” و”خبراء فك السحر وجلب الرزق”، مستغلين خوف الناس وآلامهم وطموحاتهم، مقابل مبالغ مالية ضخمة تحولت مع الوقت إلى مصدر ثراء سريع للبعض.
ولم يعد الأمر يقتصر على جلسات سرية أو ممارسات هامشية، بل أصبح نشاطا علنيا يجد أحيانا غطاءً قانونيا أو تساهلا غير مفهوم، ما فتح الباب أمام شبكات كاملة من التحيل المقنع، تتاجر بأوهام المواطنين وتستنزف أموالهم تحت شعارات دينية أو روحانية أو حتى “علمية” مزيفة.
ويؤكد متابعون للشأن الاجتماعي أن تراجع مستوى التعليم وضعف الثقافة العلمية وانتشار المحتوى المضلل على الإنترنت ساهم بشكل مباشر في توسع هذه الظاهرة، خاصة في ظل غياب حملات توعية جدية تواجه الخرافة بمنطق العقل والمعرفة.
الأخطر أن تأثير هذه العقلية لم يتوقف عند الحياة اليومية، بل امتد حتى إلى المجال الرياضي، وخاصة كرة القدم، حيث أصبحت الجماهير تسمع باستمرار عن “السحر” و”الأعمال” و”التأثير الخفي” في نتائج المباريات، في مشهد يعكس حجم الانحدار الفكري الذي وصل إليه الخطاب الرياضي أحيانا.
هذا الواقع خلق حالة من الغضب والاحتقان لدى عدد من جماهير الأندية، التي ترى أن ما يحدث يمثل استهزاء بعقول المشجعين وضربا لقيم الرياضة والعمل الجاد والمنافسة الشريفة. ويحذر متابعون من أن استمرار هذا الخطاب المشحون بالخرافة والتلاعب بالعواطف قد يدفع ببعض الجماهير إلى ردود فعل متوترة أو عنيفة، خاصة في ظل الأجواء المشحونة التي تعيشها الملاعب التونسية.
ويرى مختصون أن مواجهة ظاهرة الشعوذة لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل تحتاج إلى مشروع مجتمعي كامل يقوم على إصلاح التعليم، ودعم الثقافة، وتشجيع التفكير النقدي، وتحمّل الإعلام لمسؤوليته في التصدي للمحتوى التضليلي بدل الترويج له بحثا عن نسب المشاهدة.
فالدولة التي تترك مواطنيها فريسة للخرافة، تفتح الباب أمام انهيار الثقة بالعقل والعلم والمؤسسات، ويمنح المحتالين فرصة للتحول إلى “نجوم” وأثرياء على حساب البسطاء والمهمشين.
بقلم …بلقاسم الخماري
CARTHAGE 24 NEWS Carthage 24 News – Portail de Presse