الرئيسية / مجتمع / حرية المراجعة الفكرية في تونس: حين تُحاصَر العقول باسم الوفاء

حرية المراجعة الفكرية في تونس: حين تُحاصَر العقول باسم الوفاء

حرية المراجعة الفكرية في تونس: حين تُحاصَر العقول باسم الوفاء

في زمن يُفترض أن تتسع فيه مساحات الحرية وتُكرّس فيه قيمة الاختلاف، يبدو أن المشهد الفكري والسياسي في تونس يسير، في جوانب منه، في اتجاه معاكس. فبدل أن يكون تطوّر الأفكار ومراجعة القناعات علامة نضج ووعي، أصبح يُنظر إليه بريبة، بل ويُواجه أحيانًا بحملات تخوين وتشويه ممنهجة.
القضية التي أُثيرت مؤخرًا حول الأكاديمي المولدي القسومي ليست معزولة عن هذا السياق، بل تمثل نموذجًا دالًا على إشكالية أعمق: هل يُسمح للمثقف في تونس بأن يعيد النظر في مسيرته الفكرية؟ أم أن الانتماء الأيديولوجي يُفرض عليه كهوية أبدية لا يجوز الفكاك منها؟
لقد كشفت ردود الفعل المتباينة، بل والمتشنجة أحيانًا، عن خلل واضح في ثقافة الاختلاف. إذ لا يزال جزء من النخب، قبل الشارع، يتعامل مع الأفكار باعتبارها معسكرات مغلقة، لا تقبل المراجعة ولا تحتمل النقد الذاتي. في هذا الإطار، يتحول “الوفاء” إلى شكل من أشكال الجمود، ويُعاد تعريف “الالتزام” باعتباره التمسك الأعمى بمواقف قديمة، حتى وإن فقدت صلاحيتها أو تهاوت أسسها.
إن ما يثير القلق ليس مجرد وجود هذا النمط من التفكير، بل انتشاره في أوساط يُفترض أنها حاملة لمشعل الوعي: أساتذة جامعيون، إعلاميون، فنانون، وفاعلون في الحقل العام. فحين يعجز هؤلاء عن تقبّل فكرة أن الإنسان كائن متحوّل، وأن الفكر بطبيعته قابل للتطور، فإننا نكون أمام أزمة عميقة تتجاوز السياسة إلى بنية العقل الجماعي.
من جهة أخرى، تكشف هذه الحالة عن مفارقة لافتة. فبعض التيارات التي ترفع شعارات الحرية والديمقراطية، تمارس في الواقع سلوكًا إقصائيًا لا يقل حدة عن غيرها. فالذي يرفض المختلف بدعوى “الخيانة”، لا يختلف كثيرًا عن الذي يكفّر أو يُخوّن من منطلق عقائدي. كلاهما ينطلق من تصور مغلق للحقيقة، وكلاهما يرى في الاختلاف تهديدًا لا فرصة للحوار.
إن جوهر الإشكال يكمن في طبيعة العلاقة مع الأيديولوجيا. فحين تتحول هذه الأخيرة من أداة لفهم الواقع إلى قيدٍ على التفكير، فإنها تفقد وظيفتها الأساسية وتتحول إلى عبء. الأيديولوجيا، في أصلها، وسيلة تحليل وتأطير، لا عقيدة جامدة. لكنها، في السياق التونسي، غالبًا ما تُختزل في شعارات محفوظة وخطابات مكرورة، تُستدعى في كل مناسبة دون مراجعة أو نقد.
ولعل الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ“الخوف من الحرية”. فالمثقف الذي يقرر الخروج من دائرة الاصطفاف، لا يواجه فقط نقدًا فكريًا، بل يتعرض أحيانًا لعزلة اجتماعية أو لحملات تشويه تطال سمعته ومصداقيته. فيصبح الثمن الذي يدفعه مقابل استقلاليته باهظًا، ما يدفع كثيرين إلى التردد أو الصمت.
في المقابل، لا بد من الإقرار بأن المراجعة الفكرية ليست دائمًا دليلًا على الصواب، كما أن الثبات ليس بالضرورة خطأ. غير أن القيمة الحقيقية تكمن في الحق في الاختيار ذاته: أن يملك الفرد حرية التفكير، وحرية التغيير، دون أن يُحاكم أخلاقيًا أو يُقصى اجتماعيًا.
لقد مرت تونس، منذ الاستقلال، بمراحل سياسية متعددة، من دولة الحزب الواحد إلى مرحلة التعددية، مرورًا بتحولات عميقة بعد 2011. غير أن هذه التحولات لم تُواكب دائمًا بتطور مماثل في الثقافة السياسية. فما زالت أنماط التفكير القديمة حاضرة، وما زالت بعض الذهنيات أسيرة منطق الولاء والانتماء الضيق.
إن بناء مجتمع ديمقراطي لا يقتصر على سنّ القوانين أو تنظيم الانتخابات، بل يتطلب، قبل ذلك، ترسيخ ثقافة تقبل الاختلاف وتشجع على التفكير النقدي. فالديمقراطية ليست فقط آلية حكم، بل هي أيضًا أسلوب عيش قائم على الاعتراف بالتعددية واحترام حرية الفرد.
في هذا السياق، يصبح الدفاع عن حق المثقف في المراجعة، أيًا كان موقعه أو توجهه، جزءًا من معركة أوسع من أجل تحرير العقل من القيود غير المرئية. إنها معركة ضد الجمود، ضد التقديس الأعمى للأفكار، وضد تحويل الاختلاف إلى تهمة.
ربما آن الأوان لإعادة طرح السؤال بشكل أكثر جرأة: هل نريد مجتمعًا يُكافئ الطاعة ويُعاقب التفكير؟ أم مجتمعًا يحتفي بالاختلاف ويعتبره مصدر غنى لا تهديدًا؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تخص الأكاديميين وحدهم، ولا النخب فقط، بل تمسّ مستقبل تونس ككل. لأن المجتمعات التي تخاف من حرية الفكر، سرعان ما تجد نفسها عاجزة عن مواكبة العالم، وأسيرة لصراعات داخلية تستنزف طاقاتها.
في النهاية، قد نختلف مع المولدي القسومي أو نتفق معه، لكن الأهم من ذلك هو الدفاع عن حقه، وحق غيره، في التفكير خارج القوالب الجاهزة. فحرية الفكر ليست امتيازًا، بل هي شرط أساسي لأي نهضة حقيقية.
بقلم بلقاسم الخماري