شمس الجنوب… مدرسة إعلامية والحفاظ عليها مسؤولية الجميع
في صفاقس، المدينة التي عُرفت عبر تاريخها بالحركية الفكرية والاقتصادية، وُلدت تجربة إعلامية متميّزة حملت اسم “شمس الجنوب”، لتكون أكثر من مجرد جريدة، بل مدرسة حقيقية في تكوين الصحفيين وصقل المواهب. هذه التجربة أسسها الصحفي الراحل علي البقلوطي، الذي استطاع، بفضل موهبته وطيب معشره ونبل أخلاقه، أن يجمع حوله نخبة من ألمع الأقلام من ولاية صفاقس ومن مختلف ولايات الجنوب.
لم تكن “شمس الجنوب” مجرد مشروع إعلامي عابر، بل كانت رؤية متكاملة تقوم على ترسيخ ما يُعرف بـ“صحافة القرب”، تلك الصحافة التي تلامس مشاغل المواطن اليومية، وتنقل صوته، وتعكس نبض المجتمع بصدق ومهنية. وقد نجح الراحل علي البقلوطي في تحويل الجريدة إلى فضاء مفتوح للتعلّم، ومختبر حقيقي لتجريب الأساليب الصحفية، واحترام قواعد المهنة وأخلاقياتها.
كانت البداية بالنسخة الفرنسية La Gazette du Sud، التي مثّلت الانطلاقة الأولى لهذا المشروع الطموح، قبل أن تلتحق بها لاحقًا النسخة العربية “شمس الجنوب”، لتوسّع دائرة التأثير وتُقرّب المحتوى من القارئ المحلي، وتمنح الجريدة حضورًا أوسع في المشهد الإعلامي الجهوي.وكذلك. الوطني
ومن الجحود أن لا نذكر فضل الراحل علي البقلوطي و“شمس الجنوب” في اكتشاف مواهب صحفية كثيرة، اكتسبت المهارة والقدرة في رحاب هذه المجلة. فقد كانت الجريدة بمثابة المدرسة التي تخرّج منها عدد هام من الصحفيين الذين أثبتوا حضورهم لاحقًا، ومن بينهم: علي الهمامي العيوني، رفيق بن زينة، رشيد العيادي، لخضر صويد، لطفي الجريري، ميمون التونسي، شفيق غربال، آمال الكراي، محمود الحرشاني، توفيق الحبيب، عماد الحضري، بلقاسم الخماري، الحبيب لسود الصغير أولاد حمد، وأسماء أخرى كثيرة احتضنتها “شمس الجنوب” وقدّم لها الراحل علي البقلوطي الدعم والمرافقة لتشق طريقها في عالم الصحافة.
لقد كانت هذه التجربة دليلًا حيًا على أن الإعلام الجهوي قادر على صناعة الفارق، وعلى إنتاج صحافة جادة ومسؤولة، متى توفّرت الإرادة والرؤية. كما أثبتت “شمس الجنوب” أن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، بل هي رسالة، وتكوين، والتزام أخلاقي تجاه المجتمع.
اليوم، وبعد رحيل هذا الاسم الكبير، تقف “شمس الجنوب” أمام تحديات حقيقية تهدد استمراريتها. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نترك هذا الإرث الإعلامي يندثر؟ أم نتحمّل مسؤوليتنا الجماعية في الحفاظ عليه وتطويره؟
إن تاريخ “شمس الجنوب” هو جزء لا يتجزأ من تاريخ صفاقس، ومن الذاكرة الإعلامية للجهة. وهو تراث يمكن استثماره ليكون رافعة جديدة للإعلام الجهوي، خاصة في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، وتزداد فيه الحاجة إلى إعلام مهني قريب من المواطن.
إن المحافظة على هذا الإرث لا تعني فقط استذكار الماضي، بل تعني أيضًا إعادة إحياء المشروع بروح جديدة، تستفيد من التجربة وتواكب العصر، دون التفريط في القيم التي أسّس لها الراحل علي البقلوطي.
تحية وفاء إلى روح الصحفي الكبير علي البقلوطي،
ودعوة صادقة لكل الفاعلين في الشأن الإعلامي والثقافي:
أنقذوا “شمس الجنوب”… فإطفاء هذه الشمعة لن يكون خسارة لجريدة فقط، بل خسارة لذاكرة كاملة، ولمدرسة إعلامية أنجبت أجيالًا، وما زالت قادرة على العطاء.
بقلم ..بلقاسم الخماري

CARTHAGE 24 NEWS Carthage 24 News – Portail de Presse